اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاطف أبو حجر يكتب: قلب المواطن

عاطف أبو حجر يكتب: قلب المواطن
نبأ الأردن -
يقول الأطباء إن القلب يمرض بسبب ارتفاع الضغط والتوتر، لكنهم لم يكتبوا حتى اليوم وصفةً لعلاج الحروب الأُسرية، والقلوب الغليظة، والولد العاق، وسيطرة الزوجات، وقطيعة صلة الرحم، وحرمان المرأة من الميراث، ولا لذلك القلق الذي يرافق المواطن منذ أن يستيقظ حتى ينام. لذلك، حين يخفق القلب بسرعة، قد لا يكون يشكو من مرض، بل من واقع يصرّ على امتحان قدرته على الاحتمال كل يوم. وبين رأي الطب ورأي المواطن تبدأ الحكاية.

مع أول أيام عيد الأضحى المبارك، وجدت نفسي في مواجهة مع أعراض لا تمتّ للفرحة بالعيد بصلة؛ توتر شديد، وضيق في التنفس، وصداع، ودوخة، وارتفاع في ضغط الدم. ولأنني أخاف من الإبرة أكثر مما أخاف من المرض نفسه، قررت زيارة قسم الطوارئ للاطمئنان، على أمل أن أغادر قبل أن أرى حتى منظر الإبرة.

لكن النتائج كشفت عن ارتفاع في ضغط الدم وتسارع في النبض، فلجأت إلى الحجامة على أمل أن تنجح فيما عجزت عنه الراحة النفسية المفقودة منذ سنوات.

غير أن جسدي لم يكن مقتنعًا بالخطة العلاجية، ففي منتصف الليلة الثانية من العيد عادت الأعراض بصورة أشد، ما اضطرني للعودة إلى قسم الطوارئ. وهناك تعامل الكادر الطبي بسرعة ومهنية، حيث تلقيت موسعًا للقصبات، وتبخيرة، وعلاجًا وريديًا، إلى جانب سلسلة من الفحوصات والتحاليل، شملت الكبد والكلى وإنزيمات القلب.

وفي الثالثة فجرًا، وبعد استقرار حالتي، سمح لي الطبيب بالمغادرة، على أن أعود بعد ساعات لإعادة فحص إنزيمات القلب. وبالفعل، عدت في اليوم الثالث من العيد، وأظهرت النتائج أن الأمور مطمئنة، إلا أن طبيب الطوارئ أوصى بمراجعة عيادة القلب.

وهنا بدأت رحلة من نوع آخر؛ رحلة البحث عن موعد. وبعد محاولات عديدة، حصلت على موعد بعد عشرة أيام كاملة، قضيتها أراقب نبضي أكثر مما أتابع نشرات الأخبار، وأقيس ضغطي أكثر مما أقيس المسافات.

وأخيرًا جاء موعد طبيب القلب. أُجري لي تخطيط للقلب، وصورة إيكو، وفحص جهد، ثم نظر الطبيب إلى النتائج وقال مبتسمًا:

"قلبك سليم، والحمد لله، لكن نبضك غير مستقر. مين مزعلك؟ وليش متوتر؟"

نظرت إليه وقلت:

"يا دكتور، حرب هنا، وغلاء هناك، وأسعار ترتفع أسرع من نبضي. فواتير كهرباء ومياه، وضرائب ورسوم، ومصاريف لا تنتهي، وبطالة، وكل عائلة فيها (بكج نكد): واحد مكتئب، وآخر راسب في التوجيهي، وعانس، أو مطلقة، أو أرملة، ونصف دزينة من العاطلين عن العمل. هذا غير قروض البنوك، وأقساط الجامعات والمدارس، وقد تجد البنت وأمها من الغارمات. وكل هذا كوم، ونكد بعض النسوان كوم!"

انفجر الطبيب ضاحكًا، ثم قال:

"أنت بحاجة إلى تغيير نمط حياتك. نظّم أكلك، وابتعد عن الخبز الأبيض والحلويات، ولا تفكر بحدا؛ ترى ما حدا بنفعك. طنّش، ولازم تمشي، وتلعب الرياضة، وتستمتع بالطبيعة، وروح على العقبة وغير جو."

ابتسمت وقلت:

"ومن سيدفع الفاتورة يا دكتور؟"

ضحك مجددًا، بينما قالت الممرضة مبتسمة:

"الله يريح بالك يا عم."

عندها فقط اكتشفت سر الحالة. لم يكن القلب مريضًا، بل كان يحتج، ولم يكن اضطراب النبض سوى ترجمة لضغوط الحياة التي يعيشها المواطن كل يوم.

خرجت من العيادة وأنا أحمل خبرين؛ الأول أن القلب بخير، والحمد لله، والثاني أن علاج ضغوط الحياة لم يُكتشف بعد.

ويبقى ما يستحق الشكر حقًا هو ما لمسته من مهنية، وإنسانية، واهتمام لدى الكوادر الطبية. فوسط كل ما يرفع الضغط ويُسرّع النبض، تبقى الكلمة الطيبة وحسن التعامل من أفضل الأدوية التي ما زالت تُصرف مجانًا.

فليس كل ألم في القلب سببه المرض، فبعض القلوب تتعب لأنها تحمل فوق طاقتها همومًا لا تظهر في صور الأشعة، ولا تكشفها تحاليل المختبر، وقد يكون الجسد كله يترجم بلغة الطب ما يختزنه الإنسان من ضغوط الحياة.
وهذه حكاية قلبٍ كان يحتج أكثر مما كان يشتكي.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions