اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المحامية صبا الديري تكتب : العقود الإلكترونية والعقود الذكية في الأردن بين الاعتراف التشريعي والتحديات القانونية

المحامية صبا الديري تكتب :  العقود الإلكترونية والعقود الذكية في الأردن بين الاعتراف التشريعي والتحديات القانونية
نبأ الأردن -
يشهد العالم تحولاً رقمياً غير مسبوق، تجاوز حدود استخدام التكنولوجيا في التواصل والتجارة، ليصل إلى مرحلة أصبحت فيها العقود تُبرم وتُنفذ إلكترونياً، بل وأصبحت بعض الالتزامات تُنفذ تلقائياً دون أي تدخل بشري من خلال ما يُعرف بالعقود الذكية (Smart Contracts) المعتمدة على تقنية البلوك تشين (Blockchain). وفي ظل هذا التطور، يثور التساؤل حول مدى جاهزية المنظومة التشريعية الأردنية لاستيعاب هذه المستجدات، ومدى كفاية النصوص القانونية الحالية لمواكبة الاقتصاد الرقمي.

أولى المشرع الأردني اهتماماً بالمعاملات الإلكترونية من خلال قانون المعاملات الإلكترونية رقم (15) لسنة 2015، الذي منح السجل الإلكتروني والرسائل الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني حجية قانونية متى استوفت الشروط التي حددها القانون. وقد شكّل هذا التشريع خطوة مهمة نحو الاعتراف القانوني بالعقود المبرمة إلكترونياً، وأرسى مبدأ المساواة بين المحررات الورقية والإلكترونية من حيث القيمة القانونية والإثبات.

ورغم هذه الخطوة المتقدمة، فإن التطور التقني تجاوز الإطار الذي وُضع عند صدور التشريع، إذ ظهرت العقود الذكية التي تختلف عن العقود الإلكترونية التقليدية. فالعقد الذكي ليس مجرد عقد يُبرم عبر الإنترنت، وإنما هو برنامج حاسوبي يُخزن على شبكة البلوك تشين، ويقوم بتنفيذ الالتزامات المتفق عليها تلقائياً بمجرد تحقق الشروط المحددة مسبقاً، دون الحاجة إلى تدخل أحد أطراف العقد أو أي جهة وسيطة.

وتثير هذه العقود العديد من الإشكاليات القانونية التي لم تحسمها التشريعات الأردنية بصورة مباشرة، من أهمها: هل يعد الكود البرمجي تعبيراً كافياً عن الإرادة القانونية للأطراف؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أدى خلل برمجي إلى تنفيذ العقد بصورة خاطئة؟ وهل يجوز للقضاء وقف تنفيذ عقد ذكي بعد أن يبدأ التنفيذ التلقائي؟ وكيف يمكن معالجة حالات الغش أو القوة القاهرة أو تغير الظروف بصورة تجعل التنفيذ مرهقاً لأحد الأطراف؟

وتبرز كذلك مسألة الإثبات الإلكتروني باعتبارها من أهم التحديات التي تواجه القضاء في العصر الرقمي. فرغم أن قانون المعاملات الإلكترونية اعترف بحجية السجلات والرسائل الإلكترونية، إلا أن التطور المستمر في وسائل التوثيق الرقمي وتقنيات البلوك تشين يفرض تطوير قواعد الإثبات بما يضمن سلامة الأدلة الرقمية وآليات التحقق من صحتها وعدم العبث بها، خصوصاً في ظل ازدياد المنازعات الناشئة عن المعاملات الإلكترونية.

ومن ناحية أخرى، فإن توسع التجارة الإلكترونية في الأردن أدى إلى بروز تحديات قانونية جديدة تتعلق بحماية المستهلك الإلكتروني. فقد أصبح المستهلك أكثر عرضة للإعلانات المضللة، والاحتيال الرقمي، واستلام منتجات تختلف عن المواصفات المعلن عنها، أو إساءة استخدام بياناته الشخصية. وهنا يبرز الدور التكاملي بين قانون حماية المستهلك رقم (7) لسنة 2017 وقانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023، اللذين يهدفان إلى توفير حماية قانونية للمستهلك وبياناته الشخصية، إلا أن التطبيق العملي ما زال يواجه تحديات فرضها التطور التقني السريع.

كما يثور التساؤل حول مسؤولية المنصات الإلكترونية، وما إذا كانت تقتصر على كونها وسيطاً تقنياً بين البائع والمشتري، أم تمتد لتشمل واجب اتخاذ تدابير معقولة لمنع الاحتيال، والتحقق من هوية التجار، وإزالة المحتوى المخالف، وحماية حقوق المستهلكين. وهذه المسألة أصبحت محل اهتمام تشريعي وقضائي في العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، بينما لا تزال بحاجة إلى تنظيم أكثر وضوحاً في البيئة التشريعية الأردنية.

ولا يمكن إغفال العلاقة الوثيقة بين العقود الذكية وحماية البيانات الشخصية، فالعقود القائمة على تقنية البلوك تشين تقوم على تسجيل البيانات بصورة يصعب تعديلها أو حذفها، وهو ما قد يثير إشكاليات تتعلق بحقوق أصحاب البيانات، وعلى رأسها الحق في تصحيح البيانات أو حذفها، وهي حقوق كفلها قانون حماية البيانات الشخصية، مما يستدعي إيجاد توازن تشريعي بين خصائص التقنية الحديثة ومتطلبات حماية الخصوصية.

ومن وجهة نظري، فإن الإشكالية في الأردن لا تكمن في غياب الحماية القانونية بصورة مطلقة، وإنما في وجود فراغ تشريعي بين النصوص التقليدية والتطبيقات الرقمية الحديثة. فالقواعد العامة في القانون المدني وقانون المعاملات الإلكترونية يمكن أن تعالج جانباً من المنازعات، لكنها لا تقدم حلولاً واضحة للإشكالات التي تفرضها العقود الذكية وتقنيات البلوك تشين. فهذه التقنيات لا تغير فقط وسيلة التعاقد، وإنما تغير طبيعة تنفيذ الالتزامات وآليات الرقابة عليها، الأمر الذي يستدعي تنظيماً قانونياً أكثر تخصصاً.

كما أرى أن مسؤولية المنصات الإلكترونية يجب ألا تبقى محصورة في وصفها بأنها مجرد وسيط تقني، خاصة عندما تمتلك القدرة التقنية على رصد عمليات الاحتيال أو إزالة المحتوى المخالف أو التحقق من هوية البائعين. فكلما اتسعت قدرة المنصة على التحكم في بيئة التعاقد، اتسع نطاق التزامها القانوني باتخاذ تدابير معقولة لحماية المستهلك، دون أن يعني ذلك تحميلها مسؤولية مطلقة عن جميع تصرفات المستخدمين.

ومن الناحية التشريعية، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي مراجعة قانون المعاملات الإلكترونية بما يستوعب الاعتراف بالعقود الذكية وتقنيات البلوك تشين، ووضع قواعد واضحة تحدد المسؤولية عن الأخطاء البرمجية، وتبين آليات وقف أو تعديل تنفيذ العقد الذكي في الحالات الاستثنائية التي تستوجب تدخل القضاء تحقيقاً للعدالة. كما أن حماية المستهلك الرقمي أصبحت تستلزم وضع التزامات قانونية أكثر تحديداً على المنصات الإلكترونية فيما يتعلق بالإفصاح، والشفافية، وسرعة معالجة الشكاوى، والتعويض عن الأضرار الناتجة عن الممارسات التجارية غير المشروعة.

إن التشريعات الأردنية الحالية تمثل أساساً مهماً لتنظيم البيئة الرقمية، إلا أن تسارع الابتكار يفرض مراجعة مستمرة للنصوص القانونية، سواء من خلال إدخال تعديلات على التشريعات القائمة أو استحداث إطار قانوني خاص ينظم العقود الذكية وتقنيات البلوك تشين، ويحدد المسؤولية القانونية عن الأخطاء التقنية، ويعزز حجية الأدلة الرقمية، ويوفر حماية أكثر فاعلية للمستهلك الإلكتروني.

إن بناء اقتصاد رقمي متطور لا يتحقق بمجرد تبني التكنولوجيا، وإنما يتطلب منظومة تشريعية تسبق التطور بدلاً من أن تلاحقه. فالقانون لم يعد مطالباً بتنظيم الواقع القائم فقط، بل أصبح مطالباً بالاستعداد للتقنيات القادمة قبل أن تتحول إلى مصدر لمنازعات يصعب احتواؤها. ومن هنا، فإن تحديث الإطار التشريعي الأردني لم يعد خياراً تشريعياً، بل ضرورة لضمان الأمن القانوني، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الرقمي، وتحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق والحريات.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions