د. أمجد الفاهوم يكتب: النضج المهني حيث العمل مسؤولية قبل أن يكون وظيفة
نبأ الأردن -
ليس أصعب على بيئة العمل من وجود أشخاص يملكون المعرفة، لكنهم يفتقرون إلى النضج المهني.
فالمؤهلات قد تمنح الإنسان فرصة العمل، والخبرة قد تطور أداءه، لكن النضج المهني هو الذي يحدد كيف يتعامل مع الناس، وكيف يتخذ قراراته، وكيف يتصرف عندما ينجح أو عندما يخطئ.
كثيرون يظنون أن النضج المهني يعني عدد سنوات الخدمة، أو حجم المنصب، أو كثرة الدورات التدريبية. لكن الواقع يقول غير ذلك. فقد تجد موظفًا أمضى عشرين عامًا في عمله، وما زال يكرر الأخطاء نفسها، ويهرب من المسؤولية، ويحمّل الآخرين نتائج تقصيره. وفي المقابل، قد تجد شابًا في بداية حياته المهنية، لكنه يتصرف بحكمة، ويتحمل مسؤولياته، ويتعامل مع الجميع باحترام، فيفرض مكانته بأخلاقه قبل إنجازاته.
الناضج مهنيًا لا يبحث عن المبررات بقدر ما يبحث عن الحلول.
إذا واجه مشكلة، لا يقضي وقته في البحث عن المخطئ، بل يبدأ بالسؤال: كيف نعالج الأمر؟ وكيف نمنع تكراره؟
وإذا أخطأ، لا يعتبر الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مكانته، بل يراه خطوة أولى نحو التصحيح. فالمؤسسات لا تتضرر من الخطأ بقدر ما تتضرر من إنكار الخطأ.
ومن أهم علامات النضج المهني أن يدرك الإنسان أن العمل ليس ساحة لإثبات الذات على حساب الآخرين.
فليس كل نجاح شخصي نجاحًا للمؤسسة، وليس كل انتصار في نقاش مكسبًا لفريق العمل. قد تربح جدلًا، لكنك تخسر زميلًا. وقد تفرض رأيك، لكنك تهدم الثقة التي يحتاجها الفريق أكثر من حاجته إلى الانتصار في كل مرة.
والناضج مهنيًا يدرك أن الاحترام لا يُفرض بالسلطة، وإنما يُكتسب بالعدل والصدق والالتزام. لذلك فهو يحترم الجميع، سواء كانوا رؤساء أم مرؤوسين، لأن احترام الإنسان لا ينبغي أن يتغير بتغير موقعه الوظيفي.
كما أن النضج المهني يظهر بوضوح في طريقة التعامل مع الاختلاف.
فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، بل هو أحد أسباب التطور إذا أُدير بعقلانية. أما تحويل كل رأي مخالف إلى خصومة، وكل ملاحظة إلى إساءة شخصية، فهو دليل على ضعف الثقة بالنفس أكثر مما هو دليل على قوة الشخصية.
وفي كل مؤسسة ناجحة ستجد أشخاصًا يختلفون كثيرًا، لكنهم يتفقون على هدف واحد، وهو نجاح العمل. أما المؤسسات التي يطغى فيها حب الظهور والانتصار الشخصي، فإن الخلافات فيها تستنزف الوقت والجهد، وتصبح العلاقات أهم من الإنجاز، والصراعات أكثر حضورًا من النتائج.
والناضج مهنيًا لا ينتظر من يراقبه حتى يؤدي واجبه، لأن ضميره المهني هو الرقيب الحقيقي. فهو يدرك أن قيمة الإنسان تظهر عندما يعمل بإتقان، حتى وإن لم يكن أحد ينظر إليه.
وفي النهاية...
النضج المهني ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تبقى مستعدًا للتعلم.
وليس أن تتجنب الخطأ، بل أن تمتلك شجاعة الاعتراف به وتصحيحه.
وليس أن تصل إلى منصب أعلى، بل أن تصبح أكثر حكمة كلما ارتقيت.
فالمناصب تمنحك صلاحيات، أما النضج المهني فيمنحك ثقة الناس واحترامهم.
وهذه، في نهاية المطاف، هي الثروة الحقيقية التي تبقى مع الإنسان أينما كان، ومهما تغيرت المواقع والمسميات.


























