د. وليد العريض يكتب: النشامى... حين يكون الوصول إلى كأس العالم هو الانتصار الأكبر
نبأ الأردن -
لم يخسر النشامى... بل انتصروا على المستحيل.
هذه الحقيقة التي يحاول البعض أن يدفنها تحت ركام ثلاث نتائج، ناسياً أن التاريخ لا يحفظ عدد الأهداف بقدر ما يحفظ لحظات التحول الكبرى في حياة الأمم.
لقد وصل الأردن إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه. هذه وحدها صفحة من ذهب، لا يستطيع أحد أن يمحوها، ولا يجوز لأحد أن يختزلها في نتيجة مباراة أو ثلاث مباريات.
إن الوصول إلى المونديال لم يكن صدفة، ولم يكن هدية من أحد، بل جاء بعد سنوات من العمل والعرق والإيمان بالحلم. ولذلك، فإن مجرد الوقوف بين كبار العالم هو إنجاز لم تحققه عشرات الدول التي ما زالت تنتظر هذه اللحظة منذ عقود.
أما الذين نصبوا أنفسهم قضاةً على المنتخب، وكأن البطولة لا تكتمل إلا برفع الكأس، فإنهم يطالبون الشجرة أن تثمر في اليوم الذي زُرعت فيه!
أي عقل يقبل أن تُحاكم التجربة الأولى بمعايير المنتخبات التي بنت نفسها خلال خمسين أو مئة عام؟
كم منتخباً شارك مرات عديدة، وغادر البطولة من الدور الأول دون نقطة واحدة؟ وكم منتخباً خرج بفارق أهداف تجاوز عشرة أهداف؟ ومع ذلك، عادت منتخباته إلى أوطانها محمولةً على الأكتاف، لأن شعوبها كانت تعرف أن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة، لا بقفزة.
أما نحن، ففي كل نجاح نجد من يبحث عن زاوية للهزيمة، وفي كل إنجاز نجد من يفتش عن ثغرة لينكر الفضل.
والأغرب من ذلك أن كبار المحللين الرياضيين والإعلاميين في العالم أشادوا بروح المنتخب الأردني، وانضباطه، وشخصيته داخل الملعب، بينما خرج علينا بعض خبراء وسائل التواصل الاجتماعي ليحدثونا عن الفشل، وكأنهم اكتشفوا كرة القدم قبل العالم كله!
ومن يدري... لعل بعضهم لم يركل كرةً في حياته إلا صدفة، ثم أصبح بين ليلة وضحاها خبيراً في التكتيك، ومدرباً، ورئيس اتحاد، وحكماً دولياً في آنٍ واحد!
إن النقد البنّاء مطلوب، أما جلد الذات فليس بطولة، وتحطيم المعنويات ليس احترافاً، والسخرية من أبناء الوطن ليست دليلاً على الفهم، بل على ضيق الأفق.
لقد فعل النشامى ما هو أكبر من كرة القدم.
وحّدوا الأردنيين خلف علم واحد.
وجعلوا ملايين العرب يصفقون لمنتخب عربي كتب قصةً جميلة بالإرادة قبل الإمكانات.
ورفعوا اسم الأردن في كل بيت تابع البطولة، حتى أصبح النشامى عنواناً للعزيمة والإصرار والروح القتالية.
وهل هناك انتصار أجمل من أن يرى طفل أردني منتخب بلاده في كأس العالم، فيؤمن أن الأحلام ليست مستحيلة؟
اليوم لا نحتاج إلى محاكمات، بل إلى رؤية.
لا نحتاج إلى تصفية الحسابات، بل إلى التخطيط.
فكأس العالم القادمة ليست بعيدة، بل تبدأ من هذه اللحظة.
أربع سنوات من العمل المنظم، وتطوير الفئات العمرية، والاستثمار في المواهب، ودعم الأجهزة الفنية، والمحافظة على روح هذا المنتخب، قد تجعل الحلم القادم أكبر، والطموح أعلى.
فالمنتخبات العظيمة لم تُولد عظيمة، وإنما أصبحت كذلك لأنها تعلمت من كل تجربة، ولم تسمح لليائسين أن يقودوا مشاعر شعوبها.
أيها النشامى...
ارفعوا رؤوسكم عالياً.
لقد منحتم الأردن فرحةً لن ينساها التاريخ، وكتبتم صفحةً سيقرأها أبناؤنا بفخر، مهما كانت نتائج المباريات.
أما أولئك الذين لا يرون في الإنجاز إلا عثراته، فسيبقون أسرى نظرتهم الضيقة، لأنهم اعتادوا أن يبحثوا عن الغيمة في سماءٍ تشرق بالشمس.
سيبقى النشامى مصدر فخر، وستبقى هذه المشاركة بداية الطريق، لا نهايته.
فالطريق إلى البطولات لا يُعبَّد بالتشاؤم، بل بالإيمان، والعمل، والصبر، والمحبة.
كل التوفيق للنشامى...
ولنبدأ، من اليوم قبل الغد، رحلة الأعوام الأربعة القادمة، حتى يعود الأردن إلى كأس العالم أكثر خبرة، وأكثر قوة، وأكثر قدرة على صناعة إنجاز جديد.
فالانتصارات الكبرى لا تُصنع في تسعين دقيقة... وإنما تُصنع في قلوب الرجال، وفي عزيمة الأوطان.























