د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء
نبأ الأردن -
"حين أدرك التمساح أن شراء الغابة أرخص من احتلالها"
لم يكن التمساح القادم من وراء المحيط مولعًا بقراءة تاريخ الغابات ولا بالاستماع إلى حكايات البوم العجوز عن أمجاد الأسلاف، لأنه كان يؤمن بأن ساعة واحدة من مراقبة الحاضر تكشف من الحقائق أكثر مما تكشفه آلاف الصفحات المصفوفة في مكتبات الحكمة، وما إن دخل الغابة حتى أدرك أنه يقف أمام مكان يفيض بالخطب ويعاني من فقرٍ شديد في الأفعال، ويزخر باللافتات التي تتغنى بالعزة بينما تُدار مصالحه بمنطق الصفقات الصغيرة، ويزدحم بالخطباء الذين يتقنون صناعة الضجيج أكثر من إتقانهم صناعة الوقائع، فقال وهو يبتسم إن الغابة التي تتحدث عن عظمتها أكثر مما تصنعها لا تحتاج إلى جيشٍ يغزوها لأن سكانها يتكفلون بهذه المهمة على دفعات مجانية.
ولم ير التمساح في الغابة شعبًا واحدًا ولا مشروعًا جامعًا، بل رأى ممالك صغيرة تتنافس على أحجام التيجان أكثر مما تتنافس على مستقبل الأشجار، وكان كل حاكم يظن أن الغابة تبدأ عند عرشه وتنتهي عند حدود ظلّه، أما الحيوانات الأخرى فقد اعتادت التصفيق لكل من يجلس على المنصة ثم تعود إلى جحورها وهي تلعن المسرحية التي شاركت في إنجاحها، حتى خُيّل للتمساح أن أكبر صناعة في الغابة ليست الزراعة ولا التجارة ولا المعرفة وإنما إعادة تدوير الأوهام وتغليفها بخطابات رسمية جديدة.
ولم يطل الوقت حتى اكتشف أن خزائن الغابة لا يحرسها القانون بل يحرسها المزاج، وأن الذهب لا يخرج وفق خطط التنمية وإنما وفق حرارة المصافحة وبرودة العلاقات، وأن الهدايا التي تُقدَّم باسم الغابة لا يعرف سكان الغابة عنها شيئًا، فابتسم ابتسامة تاجر خبير وقال إن من يخلط بين خزينة الدولة وخزانة الحاكم لا يحتاج إلى عدو خارجي لأن الحسابات كلها تنتهي في الجيب نفسه.
ثم راقب اجتماعات القادة فاكتشف أن كل واحد منهم يدخل القاعة وهو يحمل خطاب الوحدة تحت ذراعه وقائمة الخصومات في جيبه، وأن الصور الجماعية هي الإنجاز الوحيد الذي لا يختلفون عليه لأنها لا تُلزم أحدًا بشيء، وأن البيانات الختامية تُكتب بلغة تصلح لأن تُقرأ في كل زمان لأنها لا تعني شيئًا في أي زمان، فأيقن أن هذه الغابة اخترعت فنًا سياسيًا جديدًا يمكن تسميته بإدارة الوقت الضائع تحت شعار الاجتماعات التاريخية التي لا يصنع فيها التاريخ.
وحين قرر التمساح اقتلاع شجرة الزيتون التي كانت البومة تسميها قلب الغابة، سمع قبل ذلك تهديدات جعلت الغربان تظن أن الزلزال بات على الأبواب، لكنه ما إن انتهى من فعلته حتى اكتشف أن الضجيج كان أعلى من الإرادة وأن الكلمات كانت أطول من الذاكرة، وأن الغابة بارعة في تحويل الصدمة إلى مؤتمر والمؤتمر إلى لجنة واللجنة إلى تقرير ثم وضع التقرير في درجٍ لا يفتحه أحد، فضحك حتى اهتز المستنقع وقال إن أخطر ما في هذه الغابة ليس أنها تُهزم بل أنها تتقن تحويل الهزيمة إلى نشاطٍ بروتوكولي.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد التمساح يهتم بما يقال فوق المنابر لأنه اكتشف أن الببغاوات هي المدرسة العليا للبلاغة في الغابة، وأن كثيرًا من الخطباء لم يعودوا يفرقون بين ارتفاع الصوت وارتفاع المكانة، وأن التصفيق أصبح دليلًا على النجاح حتى لو كانت الأرض تتآكل تحت الأقدام، ولذلك صار يقيس قوة الغابة بعدد الأفعال لا بعدد الخطب لأنه وجد أن الكلمات هنا تستهلك أكثر مما تُنتج.
ولم يكن يعنيه أن يعرف أسماء العلماء ولا الشعراء ولا أصحاب العقول التي ما زالت تؤمن بأن الغابة يمكن أن تُبنى بالعدل، لأنه اكتشف أن الطريق إلى الغابة يمر عبر كرسي الحاكم فقط، فإذا صافح صاحب الكرسي أصبحت جميع الحيوانات أصدقاء وإذا أدار ظهره لهم أصبحوا جميعًا خصومًا، أما ملايين السكان فلم يكونوا في نظره سوى ديكور طبيعي يجمّل المشهد العام ولا يغيّر شيئًا في القرار.
وكان أكثر ما أثار دهشة البومة أن التمساح وقف ذات يوم فوق أعلى تلة في الغابة وأخرج دفترًا صغيرًا بدأ يحسب فيه أسعار الأراضي ومساحات المروج وعدد الأنهار، فسألته لماذا لا تنظر إلى تاريخ المكان وروحه وذاكرة الأشجار، فأجابها بكل برود إن التاريخ لا يُباع والذكريات لا تدخل في الميزانيات، أما الأرض فهي عقار كبير يحتاج إلى مستثمر جيد، عندها أدركت البومة أن التمساح لا يرى الأوطان إلا خرائط قابلة للبيع ولا يرى الشعوب إلا أرقامًا في دفاتر الأرباح والخسائر.
ثم التفت التمساح إلى مستشاريه وقال بثقة إن شراء الغابة أوفر بكثير من احتلالها، لأن الاحتلال يحتاج إلى جيوش وسفن وخسائر، أما الشراء فيحتاج فقط إلى معرفة نقاط الضعف ثم ترك أصحابها يتنافسون على تقديم التنازلات، وما دام بعض سكان الغابة يبيعون أوراق الأشجار ليشتروا إطارًا ذهبيًا لصورة الحاكم فإن المهمة أصبحت أسهل مما تخيلنا، وما دام بعضهم يظن أن التصفيق سياسة وأن المجاملة إستراتيجية وأن الخوف حكمة فإن الغابة ستفتح أبوابها بنفسها دون أن نطرقها.
جلست البومة على غصنها القديم وهي تنظر إلى المشهد بحزن عميق، ثم قالت إن التمساح لم يخترع هذه الصورة من خياله ولم يحمل معه مرآةً سحرية، وإنما اكتفى بجمع الشظايا التي تناثرت أمامه حتى صنع منها لوحة كاملة، لأن كل انقسام صغير كان لونًا جديدًا في تلك اللوحة وكل تنافس على النفوذ كان إطارًا لها وكل تنازل مجاني كان توقيعًا في أسفلها، حتى أصبحت الغابة تقدم لزوارها أسوأ تعريف ممكن عن نفسها قبل أن يتكلم أحد باسمها.
وختامًا
غادر التمساح الغابة وهو مقتنع بأن أغلى ما فيها ليس الذهب ولا النفط ولا الأنهار، بل ذلك اليقين العجيب الذي يملكه بعض حكامها بأن الأزمات تُحل بالتصفيق وأن الهيبة تُشترى بالمواكب وأن التاريخ يُكتب بالمراسيم، أما البومة فقد أغلقت آخر كتاب في مكتبتها وقالت بحسرة إن الغابة لم تخسر يومًا لأنها كانت فقيرة أو ضعيفة، وإنما خسرت حين أقنعت أعداءها أن شراءها أرخص بكثير من محاولة احتلالها.

























