بشار عبدالمجيد المجالي يكتب: حبُّ الأردن... ثقافةٌ تُمارَس قبل أن تُقال
نبأ الأردن -
حبُّ الوطن ليس شعارًا يُرفع في لحظة حماس، ولا منشورًا يُكتب عند الانتصار، ولا خطابًا يُلقى أمام الكاميرات. حبُّ الوطن ثقافة، والثقافة ليست كلمات تُحفظ، بل سلوك يُمارس، ورسالة تنتقل من جيل إلى جيل حتى تصبح جزءًا من هوية الإنسان أينما كان.
ما شهدناه في الأيام الماضية لم يكن مجرد بطولة رياضية، بل كان اختبارًا حيًا لمعنى الانتماء. فمن كل بيت أردني، ومن أمام كل شاشة، ومن الشوارع والساحات، ومن الدوائر الحكومية والخاصة، وحتى من المدرج الروماني الذي ضجّ بالهتاف، كان الأردنيون يرسمون لوحةً واحدة عنوانها: "هذا وطنٌ نحبّه" .
لكن المشهد لم يتوقف عند حدود الأردن. ففي سان فرانسيسكو، ودالاس، ومدن أمريكية أخرى، كان شباب أردنيون يرفعون اسم وطنهم دون تكليف، ويقدمونه كما يعرفونه؛ وطنًا للفرح، والكرم، والاحترام، والاعتزاز بالهوية. لم يكونوا وفدًا رسميًا، ولم يحملوا صفة دبلوماسية، لكنهم مارسوا أرقى أنواع الدبلوماسية... دبلوماسية الأخلاق والولاء.
ولعل ما قدمه شباب غماس، ومعهم مئات الشباب الأردنيين الذين لم تبحث الكاميرات عن أسمائهم، يستحق أن يُكتب في ذاكرة هذه المرحلة. لم ينقلوا مباراة، بل نقلوا ثقافة. ممزوجة بالمزاح والعادات والضحك، كانوا يغنون للأردن، ويجمعون حولهم الناس، ويرقصون ( الدحيه) للجميع، ويعرّفون الشعب الأمريكي وحتى الشرطة الأمريكية وجنسيات أخرى على بلدٍ ربما لم يسمعوا عنه كثيرًا، فإذا بهم يتحدثون عن الأردن بإعجاب، لا لأنهم قرأوا عنه في نشرات الأخبار، بل لأنهم رأوه متجسدًا في أخلاق وعادات وحب أبنائه.
والأجمل من كل ذلك، أن هذه الثقافة لم تهتز حتى بعد الخسارة. انتهت المباراة، لكن لم تنتهِ الأخلاق. بقي الأردني كما هو؛ ينظف المدرجات ويهنئ منافسه، ويحترم الجميع، ويغادر الملعب مرفوع الرأس، ولنا أن نشاهد المشجع المنافس يرقص بمعية المشجع الأردني فقط لأنهم عرفوا أن ثقافة بلادهم أهم من أي فوز، فالثقافة الحقيقية لا تُختبر عند الفوز، بل تظهر في لحظة الانكسار، وهناك أثبت الأردني أنه أكبر من نتيجة مباراة.
في المقابل، يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده: من الأولى بأن نستمع إليه؟ أأولئك الذين اعتادوا مخاطبتنا عبر البثوث المباشرة من خارج الوطن، يملؤون الشاشات صراخًا وتشكيكًا، ويزايدون على حب الأردن بعدما اختاروا حياةً بعيدة عنه؟ أم أولئك الشباب الذين حملوا الأردن في قلوبهم، فحملوه معهم إلى العالم، وجعلوا الناس يحبونه من خلال أخلاقهم قبل كلماتهم؟
إن من يستحق أن نمنحه المساحة، وأن نقدره، وأن نروي قصته، هو من جعل المواطن الأمريكي يسأل عن الأردن بإعجاب، ومن جعل زملاءه في العمل يتعرفون إلى ثقافتنا من خلال سلوكه، لا من خلال خطاباته. هؤلاء هم السفراء الحقيقيون، لأنهم أثبتوا أن الوطنية ليست ضجيجًا... بل أثرًا طيبًا يبقى في ذاكرة الناس.
وليس هذا وحده ما يؤكد أن حب الأردن ثقافة متجذرة. ففي الأيام نفسها، تابعنا صرخة أم أردنية أنهكتها الغربة، لم تتمنَّ مالًا، ولا منصبًا، ولا رفاهية، بل تمنت بجملة عابرة أن تعود إلى وطنها لتُعالج ابنتها على أرضه. وما هي إلا ساعات حتى وجدت نفسها في جلسة مباشرة مع الملك، تستمع إليه، ويستمع إليها. أي رسالة أبلغ من هذه؟ وأي وطن هذا الذي يفتح قلبه قبل أبوابه لأبنائه.
هذه المشاهد جميعها تقول شيئًا واحدًا: إن حب الوطن علاقة متشعبة و متبادلة. شعب يمنح وطنه الولاء والانتماء، وملك صرخ من المدرجات تشجيعا وحماسة لمنتخب بلاده ليس كملك، بل كأردني محب لأبنائه، ووطن يحتضن أبناءه حين تضيق بهم الدنيا. ولذلك، فإن من يحمل الأردن في قلبه، ومن يقدم صورته الجميلة في كل مكان، ومن يصنع الأمل بدل الإحباط، هو الأجدر بأن نسمع له، وأن نحتفي به، وأن نجعله نموذجًا للأجيال القادمة.
لقد أثبتت هذه الأيام أن الأردن لا يصدّر لاعبين فقط، بل يصدّر ثقافة. ثقافة تقول إن الانتماء يُمارس قبل أن يُعلن، وإن الوطنية أخلاق قبل أن تكون هتافات، وإن أجمل صورة للوطن ليست تلك التي تُلتقط بالكاميرا، بل تلك التي تبقى في ذاكرة الناس بعد أن يغادر أصحابها المكان.
وحين يصبح كل أردني سفيرًا لوطنه بأخلاقه، وحين يجد الأردني وطنه حاضرًا إلى جانبه ساعة حاجته، ندرك أن حب الأردن ليس مناسبة عابرة، ولا حماسًا مؤقتًا... بل ثقافة راسخة، وهوية لا تتبدل، ورسالة ستبقى تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل.
ما اخترنا حبّك يا أوطان ** لكنّ الله قد اختارا
حبّ الأوطان من الإيمان ** إنّا لا نعلن أسرارا

























