اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. أنور أبو عيد يكتب: اللجان البلدية المؤقتة... إلى متى؟

د. أنور أبو عيد يكتب: اللجان البلدية المؤقتة... إلى متى؟
نبأ الأردن -
والضرورة الوطنية للعودة إلى الانتخابات البلدية الديمقراطية
ليست البلديات مجرد وحدات إدارية تدير الخدمات اليومية، ولا مؤسسات تُعنى بالنظافة والطرق والإنارة فحسب، وإنما هي إحدى أهم صور الإدارة المحلية، وتجسيد عملي لمشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم العامة، وترجمة حقيقية لمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
فالأصل في المجالس البلدية أن تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين عبر صناديق الاقتراع، وأن تبقى خاضعة لرقابتهم ومحاسبتهم، لأن من يختاره الناس هو وحده الذي يملك الشرعية الشعبية التي تؤهله لتحمل مسؤولية إدارة الشأن المحلي.
لقد جاء الدستور الأردني، ومعه التشريعات الناظمة للإدارة المحلية، ليؤكد أن المشاركة الشعبية ليست ترفًا سياسيًا، وإنما ركيزة من ركائز الدولة الحديثة، وأن الإدارة المحلية الناجحة تقوم على التمثيل الحقيقي للمواطنين، لا على الإدارة المؤقتة التي تفرضها ظروف استثنائية ولمدد محدودة.
ولا خلاف على أن تعيين لجان مؤقتة لإدارة البلديات قد يكون إجراءً مشروعًا تقتضيه الضرورات القانونية والإدارية في بعض المراحل، إلا أن الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى أصل، ولا أن تمتد الحالة المؤقتة إلى ما لا نهاية، لأن ذلك يفرغ فكرة الإدارة المحلية من مضمونها الديمقراطي، ويحرم المواطنين من حقهم في اختيار من يمثلهم ومحاسبته.
وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في أكثر من مناسبة، أن المسؤول الحقيقي هو من ينزل إلى الميدان، ويقترب من الناس، ويستمع إلى همومهم، ويجعل خدمة المواطن أولويته الأولى. وقد جسد جلالته هذا النهج عمليًا في مواقفه الإنسانية والميدانية، فكان القدوة لكل مسؤول، ورسخ أن الوظيفة العامة تكليف لخدمة الناس، لا تشريفًا أو وجاهة.
ومن هنا، فإن أي إدارة محلية، سواء كانت منتخبة أو معينة، يجب أن تكون قريبة من المواطنين، منفتحة على آرائهم، قادرة على التواصل معهم، والاستماع إلى احتياجاتهم، ومعالجة مشكلاتهم بروح المسؤولية والشراكة.
كما أن من الضروري تفعيل قنوات التواصل المجتمعي، وإنشاء لجان محلية تمثل الأحياء والتجمعات السكانية، لتكون حلقة وصل حقيقية بين الإدارة المحلية والمواطنين، بما يعزز المشاركة المجتمعية، ويرفع مستوى الخدمات، ويعيد الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة.
إن المواطن هو صاحب المصلحة الأولى في نجاح البلديات، وهو الذي يسهم في تمويلها من خلال الرسوم والضرائب، ومن حقه أن يحصل على خدمات عامة تليق بكرامته، وأن يشعر بأن صوته مسموع، وأن ممثليه منتخبون بإرادته الحرة.
إن العودة إلى الانتخابات البلدية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل هي استحقاق قانوني ودستوري، وضرورة وطنية لإعادة تجديد الشرعية الشعبية، وتعزيز مبدأ المساءلة، وترسيخ الثقة بين المواطن والإدارة المحلية.
فالانتخابات الديمقراطية هي الوسيلة الحضارية التي تمكن المواطنين من اختيار الأكفأ، ومحاسبة المقصر، وتجديد الدماء في مؤسسات الإدارة المحلية، بما ينسجم مع مشروع الدولة الأردنية في التحديث السياسي والإداري، ومع الرؤية الإصلاحية التي يقودها جلالة الملك المعظم.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على احترام القانون، وتعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن المواطن هو الغاية الأولى لكل إدارة عامة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إعادة الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وإنهاء مرحلة اللجان المؤقتة، والعودة إلى صناديق الاقتراع، وفق قانون انتخاب عصري يضمن النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص، ويمنح المواطنين حقهم الطبيعي في اختيار من يدير شؤونهم المحلية.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات القوية، والإدارة الكفؤة، والرقابة الفاعلة، وسيادة القانون، واحترام إرادة المواطنين.
إن الخيار الديمقراطي لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان دائمًا مصدر قوتها واستقرارها، والطريق الأقصر إلى إدارة محلية أكثر كفاءة، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على تحقيق التنمية وخدمة الوطن والمواطن.
🖋 د. أنور أبو عيد 
محامٍ ومستشار – قاضٍ متقاعد – كاتب وباحث قانوني
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions