م. جمال أبو عيد يكتب : الزلازل لا تقتل البشر... وإنما المباني هي من تقتلهم
نبأ الأردن -
شهدت فنزويلا اليوم كارثة طبيعية كبيرة إثر تعرضها لزلزالين قويين متتاليين بلغت شدتهما نحو 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر، ما أدى إلى انهيارات واسعة في المباني والبنية التحتية وسقوط العديد من الضحايا والمصابين، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ. وتشير التقارير الأولية إلى أن الجزء الأكبر من الخسائر البشرية نتج عن انهيار المباني والمنشآت وليس عن الزلزال ذاته.
هذه الحادثة تعيد إلى الأذهان حقيقة هندسية وعلمية مهمة كثيراً ما يؤكدها المختصون في هندسة الزلازل: الزلازل لا تقتل البشر، وإنما المباني غير الآمنة هي التي تقتلهم.
فالطاقة الزلزالية التي تنتقل عبر الأرض لا تتحول إلى كارثة إنسانية إلا عندما تواجه منشآت غير قادرة على تحمل الأحمال الديناميكية الناتجة عن الاهتزازات الأرضية.
وفي المقابل، أثبتت التجارب العالمية في دول مثل اليابان وتشيلي ونيوزيلندا والولايات المتحدة أن المباني المصممة وفق الأكواد الزلزالية الحديثة تستطيع الصمود أمام زلازل قوية جداً مع الحد الأدنى من الخسائر البشرية.
إن الهدف من التصميم الزلزالي ليس منع المبنى من التشقق أو التعرض لبعض الأضرار، بل ضمان عدم انهياره والمحافظة على حياة شاغليه وإتاحة الوقت الكافي للإخلاء والإنقاذ. فالفارق الحقيقي بين مبنى آمن وآخر خطر لا يكمن في قوة الزلزال فقط، بل في جودة التصميم والتنفيذ والرقابة الهندسية.
ومن الحقائق التي يجب أن تكون معروفة لدى صناع القرار والمستثمرين والمواطنين أن الزيادة في كلفة إنشاء مبنى مصمم زلزالياً مقارنة بمبنى غير مصمم وفق متطلبات مقاومة الزلازل لا تتجاوز في كثير من الحالات نحو 7% من الكلفة الإنشائية.
هذه النسبة البسيطة تمثل استثماراً في حماية الأرواح والممتلكات واستدامة المدن، وهي أقل بكثير من الخسائر الاقتصادية والبشرية التي يمكن أن تنتج عن انهيار المباني أثناء الزلازل.
إن مشاهد الدمار في فنزويلا اليوم ليست مجرد خبر عابر، بل رسالة واضحة لكل المجتمعات الواقعة ضمن المناطق النشطة زلزالياً.
فالتهاون في تطبيق الأكواد الهندسية أو السماح بالبناء غير المنظم قد يحول أي هزة أرضية إلى مأساة وطنية.
لذلك، فإن تعزيز ثقافة البناء الآمن، وتطبيق متطلبات التصميم الزلزالي، وإجراء الفحوصات الدورية للمباني القائمة، وتشديد الرقابة على التنفيذ، يجب أن تكون جميعها أولويات وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر.
ختاماً، لا يمكن للبشر منع وقوع الزلازل، لكنهم يستطيعون منع تحولها إلى كوارث بشرية. وعندما نرى ما حدث في فنزويلا اليوم، يتأكد لنا مرة أخرى أن المعركة الحقيقية ليست مع الطبيعة، بل مع ضعف التخطيط وسوء البناء. فالزلازل لا تقتل البشر... وإنما المباني التي لا تُصمَّم وتُنفَّذ وفق الأصول الهندسية هي من تقتلهم .
المهندس جمال أبو عيد
رئيس فرع نقابة المهندسين الأردنيين في الزرقاء


























