اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

حسن علي الزوايده يكتب: وادي رم: حين يُسلب الحق تحت غطاء التنظيم

حسن علي الزوايده يكتب:  وادي رم: حين يُسلب الحق تحت غطاء التنظيم
نبأ الأردن -
في قلب الصحراء الأردنية، حيث التاريخ والهوية والوجود المتجذر لأبناء المنطقة، يبرز اليوم مشهد يثير القلق العميق: أبناء وادي رم، الذين عاشوا على أرضهم جيلاً بعد جيل، يجدون أنفسهم أمام واقع جديد يُفرض عليهم فيه توقيع عقود إيجار لإقامة مشاريع سياحية على أراضٍ كانت جزءًا من حياتهم وكيانهم.

ما الذي يحدث في وادي رم؟ وكيف يمكن تفسير أن يتحول صاحب الأرض إلى مستأجر فيها؟ وأي منطق إداري أو تنموي يقبل بأن تُدار الأرض بمعزل عن أهلها، وكأنهم طرف ثانوي في معادلة يفترض أنهم أساسها؟

إن ما يجري لا يمكن اختزاله في إطار "تنظيم السياحة”، لأن التنظيم الحقيقي لا يكون بانتزاع الشعور بالملكية، ولا بفرض نماذج قانونية تُشعر المواطن بأنه غريب في أرضه. بل إن ما يحدث يطرح تساؤلات أكثر عمقًا حول طبيعة السياسات المتبعة، والجهات المستفيدة منها، والغاية الحقيقية من إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه.

وادي رم ليس مجرد موقع سياحي، بل هو موطن وهوية وتاريخ. وأي محاولة لفصل أبناء المنطقة عن أرضهم، سواء عبر عقود إيجار أو قيود تنظيمية، إنما تمسّ جوهر الانتماء، وتفتح الباب أمام مخاوف مشروعة من مستقبل مجهول.

هل نحن أمام سياسة مرحلية لتنظيم الاستثمار؟ أم أن هناك مسارًا طويل الأمد يعيد تشكيل ملكية الأرض بشكل تدريجي؟ وهل سنصحو يومًا لنجد أن أبناء وادي رم قد فقدوا السيطرة الفعلية على أراضيهم، لصالح نماذج استثمارية لا تعكس مصالحهم؟

الأخطر من ذلك هو غياب الشفافية الكافية، وضعف الحوار الحقيقي مع المجتمع المحلي. فكيف تُتخذ قرارات بهذا الحجم دون إشراك من سيتأثر بها مباشرة؟ وأين هي الشراكة التي يُفترض أن تكون أساس أي مشروع تنموي ناجح؟

إن التنمية التي تُبنى على تهميش الإنسان محكوم عليها بالفشل، مهما بدت أرقامها واعدة. والتجارب العالمية أثبتت أن المجتمعات المحلية ليست عبئًا على الاستثمار، بل هي ركيزته الأساسية.

ما يحتاجه وادي رم اليوم ليس فرض عقود، بل بناء نموذج عادل يضمن لأبناء المنطقة حقهم في الأرض، ودورهم في الاستثمار، ونصيبهم في العائد. فالأرض ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي كرامة وهوية وحق لا يقبل التآكل أو التنازل.

إن استمرار هذا النهج دون مراجعة حقيقية يهدد بخلق فجوة عميقة بين المواطن والدولة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل العدالة في إدارة الموارد.

وادي رم اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يكون نموذجًا لتنمية عادلة قائمة على الشراكة، أو أن يتحول إلى مثال مؤلم على كيف يمكن أن يفقد الإنسان أرضه وهو ما زال يقف عليها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions