اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عمر الدريني يكتب: حين تتحول الجوائز إلى سراب: مسابقات التواصل الاجتماعي بين المصداقية والخداع

عمر الدريني يكتب: حين تتحول الجوائز إلى سراب: مسابقات التواصل الاجتماعي بين المصداقية والخداع
نبأ الأردن -
في زمن أصبحت فيه ضغطة إصبع قادرة على الوصول إلى ملايين البشر، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل الأفكار، بل تحولت إلى أسواق مفتوحة للتأثير، وإلى ساحات تتنافس فيها الصفحات والمؤسسات والأفراد على استقطاب المتابعين، مستخدمةً أدوات متعددة، لعل أكثرها انتشاراً وإغراءً تلك المسابقات التي تعد الناس بالسيارات والهواتف والأموال والرحلات، حتى غدت الجوائز لغة يومية يتقنها الجميع، لكن ليس الجميع يتقن الصدق.

فبين صفحات جعلت من الجوائز وسيلة تسويقية مشروعة، تقوم على الشفافية والمصداقية واحترام عقول المتابعين، ظهرت صفحات أخرى اختارت الطريق الأقصر، فاستبدلت بناء الثقة بصناعة الوهم، وجعلت من أحلام الناس وقوداً لحصد الإعجابات والتعليقات والمشاركات، حتى أصبحت بعض الجوائز أشبه بالسراب؛ يراه المتابعون قريباً، لكنهم لا يصلون إليه أبداً.

حين يصبح الحلم وسيلة لجمع التفاعل

ليس ثمة اعتراض على المسابقات بحد ذاتها، فالعديد من الشركات والمؤسسات المعروفة تقدم جوائز حقيقية، وتعلن أسماء الفائزين بصورة واضحة، وتوثق عمليات التسليم، إدراكاً منها أن الثقة رأس مال لا يقل قيمة عن الأرباح.

غير أن المشهد الرقمي كشف عن ظاهرة مقلقة تتمثل في صفحات مجهولة أو غير معروفة، لا تكاد تخلو منشوراتها من وعود براقة: هاتف جديد، مبلغ مالي، رحلة سياحية، أو سيارة حديثة، مقابل مشاركة المنشور، والإشارة إلى عدد من الأصدقاء، ومتابعة الصفحة.

تتكرر الوعود، وتتضاعف أعداد المتابعين، لكن الفائز الحقيقي يظل غائباً، أو يظهر اسم لا يعرفه أحد، أو تختفي المسابقة كما ظهرت، تاركة وراءها آلاف المشاركين الذين لم يحصدوا سوى خيبة الأمل.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل الغاية توزيع الجوائز، أم توزيع الأوهام؟

وهل المقصود مكافأة الجمهور، أم استثمار أحلامه لتحقيق مزيد من الانتشار؟

قصص من الواقع: حين تكون الخسارة أكبر من عدم الفوز

يروي أحد المواطنين أنه أمضى أشهراً طويلة يشارك يومياً في مسابقات إلكترونية، حتى بات يطلب من أفراد أسرته وأصدقائه إعادة نشر المنشورات وزيادة التفاعل، على أمل الفوز بإحدى الجوائز المعلنة.

ومع مرور الوقت، اكتشف أن الصفحة نفسها كانت تعلن عشرات الجوائز شهرياً، دون أن يعرف أحد شخصاً حقيقياً تسلم أياً منها.

وفي قصة أخرى، تلقت إحدى السيدات رسالة تهنئة تخبرها بفوزها بمبلغ مالي كبير، غير أن الجهة المنظمة طلبت منها دفع رسوم معينة وإرسال بعض البيانات الخاصة لاستكمال الإجراءات، قبل أن يتبين لاحقاً أن الأمر لم يكن سوى محاولة احتيال إلكتروني استغلت شغف الناس بالفوز.

وفي المقابل، هناك مؤسسات وشركات أثبتت أن المسابقات يمكن أن تكون وسيلة راقية للتسويق، وأن الجائزة الحقيقية لا تكمن في قيمة الهدية فقط، بل في قيمة الثقة التي تبنى بينها وبين الجمهور.

أزمة ثقة لا أزمة جوائز

الحقيقة أن القضية لا تتعلق بهاتف أو مبلغ مالي أو سيارة، بل تتعلق بشيء أكثر أهمية وأعمق أثراً، وهو الثقة.

فالمجتمعات لا تنهض بالإعلانات البراقة، وإنما تنهض بالمصداقية، والثقة لا تُبنى بكثرة المنشورات، بل بالوفاء بالوعود.

وحين يعتاد الناس مشاهدة مسابقات لا يعرفون مصيرها، وجوائز لا يرون أصحابها، فإن الضرر لا يصيب المتابعين وحدهم، بل يمتد إلى المؤسسات الجادة التي تجد نفسها ضحية لانهيار الثقة العامة في الفضاء الرقمي.

أين تقف الجهات الرقابية؟

وسط هذا المشهد، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن السؤال المتعلق بمصداقية الجوائز نفسها:

من يحمي المتابعين من الجوائز الوهمية؟

ومن يراقب الصفحات التي تحترف صناعة الأحلام وتسويق السراب؟

فإذا كانت الأسواق التقليدية تخضع للرقابة حمايةً للمستهلك، فإن الأسواق الرقمية أولى بالمتابعة والتنظيم، خاصة في ظل اتساع تأثيرها ووصولها إلى مختلف الفئات العمرية.

إن الحاجة أصبحت ملحة لوضع أطر واضحة تنظم المسابقات الإلكترونية، وتلزم الجهات المنظمة بالإفصاح عن الفائزين وآليات الاختيار، وتفرض العقوبات المناسبة على الصفحات التي تمارس التضليل أو تستغل الجمهور لتحقيق مكاسب قائمة على الوهم.

فالفضاء الرقمي ليس منطقة خارج القانون، والثقة العامة ليست سلعة قابلة للمقامرة.

القرآن الكريم والسنة النبوية: حين تكون الأمانة أساس التعامل

لقد أرست الشريعة الإسلامية قواعد راسخة تقوم على الصدق والوضوح والأمانة، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.

وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غش فليس مني».

وقال صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

فكيف يستقيم وعد بجائزة لا وجود لها؟ وكيف تُبنى الثقة على إعلان لا يقف وراءه صدق أو أمانة؟

بين الجائزة الحقيقية والجائزة الوهمية

الجائزة الحقيقية قد تمنح شخصاً هاتفاً أو مبلغاً مالياً، لكنها تمنح المؤسسة قبل ذلك احترام الناس وثقتهم.

أما الجائزة الوهمية، فقد تحقق آلاف الإعجابات في لحظة، لكنها تخسر ما هو أثمن من الأرقام، تخسر المصداقية.

ولأن الثقة لا تُشترى، فإن من يربح المتابعين بالخداع، يخسرهم مع أول انكشاف للحقيقة.

ويبقى السؤال

كم من الجوائز المعلنة وصلت فعلاً إلى أصحابها؟

وكم من المتابعين تحولوا إلى مجرد أرقام في معادلة التفاعل؟

وكم من الأحلام الصغيرة التي علقتها الأسر والشباب على منشورات براقة، انتهت إلى خيبة أمل جديدة؟

إن الجائزة الكبرى التي يحتاجها الفضاء الرقمي اليوم ليست سيارة فارهة، ولا هاتفاً حديثاً، ولا مبلغاً مالياً ضخماً، بل هي استعادة الثقة، لأن المجتمعات التي تفقد ثقتها، لا تخسر مسابقات عابرة، وإنما تخسر جزءاً من منظومتها الأخلاقية.

فقد يفرح الناس بجائزة مرة واحدة، لكنهم لا ينسون خداعاً واحداً مهما طال الزمن
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions