اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الفلسطينيون... جوهرةٌ لا تنطفئ

د. وليد العريض يكتب:  الفلسطينيون... جوهرةٌ لا تنطفئ
نبأ الأردن -
في زمنٍ كثرت فيه الأحكام الجاهزة وسادت فيه الروايات المنتقاة بعناية لخدمة مواقف سياسية أو أهواء أيديولوجية، يصبح من الضروري أن نتوقف أمام حقيقة تاريخية لا يستطيع منصف إنكارها: أن الشعب الفلسطيني لم يكن يومًا مجرد شعبٍ منكوب، بل كان واحدًا من أكثر شعوب المنطقة إسهامًا في بناء نهضتها الحديثة.

لقد اعتاد كثيرون أن يتحدثوا عن الفلسطيني من زاوية المأساة فقط؛ اللاجئ الذي غادر بيته، أو المهجّر الذي حمل مفتاح داره القديمة، أو الضحية التي تبحث عن العدالة. وكل ذلك صحيح. لكن الحقيقة الأكبر، التي كثيرًا ما تُهمَل أو تُغيَّب عمدًا، هي أن الفلسطيني حمل معه أيضًا علمه وخبرته وثقافته وروح المبادرة التي صنعت له مكانةً مرموقة أينما حلّ.

حين وقعت نكبة عام 1948، لم تغادر فلسطين أبناءها فارغي الأيدي. خرج منها التجار والمصرفيون والمهندسون والمعلمون والأطباء والمثقفون والفنانون والحرفيون وأصحاب الخبرات المتراكمة عبر أجيال طويلة.

 وحين وصل هؤلاء إلى البلدان العربية المختلفة، لم ينتظروا أن تُصنع لهم الحياة، بل شاركوا في صناعتها.
وفي لبنان تحديدًا، كما في الأردن وسوريا ودول الخليج العربي وسائر أنحاء العالم العربي، كان الفلسطيني شريكًا حقيقيًا في التنمية الاقتصادية والعلمية والثقافية. فقد أسهمت رؤوس الأموال الفلسطينية في تنشيط الحركة الاقتصادية، وشاركت الكفاءات الفلسطينية في تأسيس الشركات والمصارف والمؤسسات الهندسية والتجارية الكبرى، كما ساهم الأكاديميون الفلسطينيون في بناء الجامعات وتطوير التعليم العالي وإعداد أجيال من المتخصصين في مختلف العلوم.

ولم يكن تأثير الفلسطينيين اقتصاديًا فقط، بل امتد إلى مجالات الفكر والأدب والثقافة والإعلام والفنون. فمن بينهم ظهر أدباء وصحفيون ومفكرون ونقاد وفنانون وموسيقيون تركوا بصمات لا تزال حاضرة في الذاكرة العربية الحديثة. كما برز علماء وباحثون أسهموا في تطوير المعرفة الإنسانية وفي تأسيس مراكز البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية التي أصبحت منارات للعلم في العالم العربي.

لقد أثبت الفلسطيني، في كل مكانٍ وصل إليه، أن الإنسان قد يُنتزع من أرضه لكنه لا يُنتزع من قدرته على العطاء.

 فبينما كان البعض يتوقع أن تتحول النكبة إلى نهاية، حوّلها الفلسطيني إلى بداية جديدة وأثبت أن قوة الشعوب لا تُقاس بما تملك من أرض فقط، بل بما تملك من علم وإرادة وقدرة على النهوض بعد الكبوات.

ولعل ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من الإنجازات التي ساهم فيها الفلسطينيون اندمجت مع تاريخ البلدان التي عاشوا فيها حتى أصبح أصحابها جزءًا من نسيجها الوطني والاجتماعي والثقافي. وهذا دليل على أن الفلسطيني لم يكن يومًا غريبًا عن محيطه العربي، بل كان جزءًا أصيلًا من حركة التقدم فيه.

لقد قدم الفلسطينيون للأمة العربية آلاف العلماء والأطباء والمهندسين والأدباء والمعلمين ورجال الأعمال والمبدعين. وأسهموا في بناء المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والثقافية والإعلامية التي استفادت منها أجيال متعاقبة من العرب.

 ولذلك فإن الحديث عن الفلسطينيين لا ينبغي أن يقتصر على معاناتهم، بل يجب أن يشمل أيضًا حجم عطائهم وإسهامهم الحضاري.
إن الشعوب العظيمة تُعرَف بما تتركه من أثر والفلسطينيون تركوا أثرًا يتجاوز حدود فلسطين نفسها. فقد كانت مساهماتهم حاضرة في الجامعات والمستشفيات والمصارف والشركات والمراكز الثقافية ودور النشر والمؤسسات الإعلامية في مختلف أنحاء العالم العربي.
ولهذا فإن الفلسطينيين ليسوا مجرد شعبٍ يبحث عن وطنٍ مسلوب، بل هم أيضًا ثروةٌ إنسانية وحضارية للأمة كلها. لقد قدّموا للعرب من العقول والخبرات والإبداعات ما يجعلهم في طليعة الشعوب التي أسهمت في نهضة المنطقة الحديثة.

سيبقى الفلسطيني شاهدًا على أن الأوطان قد تُغتصب، لكن الإرادة لا تُغتصب، وأن البيوت قد تُهدم، لكن المعرفة لا تُهدم وأن الشعوب العظيمة قد تُهجّر من أرضها، لكنها لا تُهجّر من التاريخ.

ولهذا، فإن كل محاولات حجب هذه الحقيقة أو طمسها، سواء بدوافع سياسية أو أيديولوجية أو من خلال خطابات التحيز والكراهية والعنصرية، لن تغيّر من وقائع التاريخ شيئًا. فالإنجاز لا يُمحى بالصمت والعطاء لا يُلغى بالتجاهل والحقائق لا تتبدل مهما أُنفقت الجهود لتشويهها أو التقليل من شأنها.

سيبقى الفلسطيني حاضرًا في سجل النهضة العربية بما قدّمه من علمٍ وفكرٍ وإبداعٍ وعمل، وستبقى بصماته شاهدةً في الجامعات والمستشفيات والشركات والمؤسسات الثقافية والعلمية التي أسهم في بنائها.

 فالتاريخ العادل لا يكتب ما يُراد له أن يُكتب، بل ما حدث فعلًا.
لهذا كله سيبقى الفلسطينيون... جوهرةً لا تنطفئ، ونورًا من أنوار هذه الأمة، مهما حاول البعض حجب الحقيقة أو طمسها، أو ترويج خطاباتٍ عنصريةٍ بغيضةٍ تنتقص من شعبٍ قدّم للأمة أكثر مما أخذ منها، وأعطى للحضارة العربية من علمه وجهده وإبداعه ما سيظل خالدًا في الذاكرة والتاريخ.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions