د. وليد العريض يكتب: الغابة التي كانت تنتظر الورود
نبأ الأردن -
يُروى أن زعيمًا من زعماء الأعداء وقف ذات يوم أمام مجلس الحرب في مملكته، وأشار بعصاه إلى خريطة الغابة المعلّقة على الجدار، ثم قال وهو يبتسم ابتسامة الواثق:
"لا تتعجلوا النصر. فاحتلال الغابة بالقوة مكلف، أما احتلالها بالعقول فأبقى وأرخص. سنولي عليهم سفلة قومهم ونرفع أكثرهم ضجيجًا وأقلهم حكمة، ونمنحهم الأوسمة والتيجان والمقاعد الوثيرة، حتى يأتي يوم تستقبل فيه شعوب الغابة جيشنا بالورود."
ضحك الحاضرون وظن بعضهم أن الزعيم يمزح.
لكن السنوات مرت، وبدأت الخطة تعمل بصمت.
ففي الغابة لم يعد الثعلب يُختار لأنه حكيم، بل لأنه يجيد التصفيق. ولم يعد الببغاء يُسأل عمّا يعرف، بل عمّا يستطيع تكراره من شعارات. أما الطاووس، فقد صار خبيرًا في كل شيء ما دام ريشه لامعًا أمام المرايا.
وبينما كانت أشجار الغابة تُقطع، كان خطباء الساحات يشرحون للطيور فوائد الظل الصناعي.
وحين جفّت الأنهار، ظهر خبراء جدد يثبتون بالأرقام أن العطش فرصة اقتصادية واعدة.
وحين اختفت الثمار من الأغصان، أقنعوا الجائعين أن الجوع نفسه شكل متقدم من أشكال الوطنية.
وكانت المفارقة أن أكثر من صرخ في وجه الغرباء هم أولئك الذين كانوا يفتحون لهم الأبواب ليلًا، ثم يقضون النهار في إلقاء الخطب عن الكرامة والسيادة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة في جيش العدو الذي يقف خلف الحدود، بل في أولئك الذين أقنعوا الغابة أن الحدود مجرد أوهام، وأن الذئب صديق للطريدة، وأن السكين أداة للتنمية المستدامة.
وحين وصلت طلائع الجيش أخيرًا، لم تجد مقاومة كبيرة. فقد كان كثير من سكان الغابة قد اعتادوا رؤية العالم بعيون أوصيائهم الجدد.
لكن الزعيم العجوز أخطأ في شيء واحد.
لقد ظن أن الذاكرة تموت إلى الأبد.
فالغابات قد تنخدع زمنًا، وقد يعلو فيها صوت الببغاوات على صوت الحكماء، وقد تتصدر المشهد وجوه صنعتها المصادفات أو المصالح، لكن جذور الأشجار العتيقة تبقى تحت التراب تحفظ الحكاية.
وحين تستيقظ الذاكرة، تدرك الشعوب أن الورود التي طُلب منها أن تستقبل بها الغزاة لم تكن يومًا رمزًا للمحبة، بل كانت محاولة لتزيين القيد.
وعندها فقط تكتشف الغابة أن أخطر الأعداء ليس من جاء من وراء الحدود، بل من أقنع أبناءها أن الهزيمة هي الوجه الآخر للانتصار.

























