د.عبدالله محمد القضاه يكتب: لماذا تحتاج "المملكة" الى مدير سياسي؟
نبأ الأردن -
رؤية استراتيجية للإعلام الأردني في عصر التحديات الجيوسياسية
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والأزمات الإقليمية التي تحيط بالمنطقة، يبرز دور الإعلام كأداة سيادية لا تقل أهمية عن الدبلوماسية الرسمية ذاتها. وفي الأردن، حيث تتشابك المصالح الوطنية مع تعقيدات المشهد الإقليمي المعقد، تقف "قناة المملكة" كمنبر إعلامي عام مستقل، تأسس ليقدم نموذجاً جديداً في الإعلام الإخباري المتخصص. ومع تنامي التحديات التي تواجه المنطقة، يبرز تساؤل جوهري يستحق النقاش الجاد والعميق: هل تحتاج "القناة" إلى مدير إعلامي تقليدي ذي خلفية صحفية بحتة، أم إلى مدير سياسي ذي رؤية استراتيجية وخبرة دبلوماسية عميقة؟
لعب التلفزيون الأردني منذ تأسيسه دوراًحيويا و محورياً في تعزيز الهوية الوطنية وتسليط الضوء على الشؤون المحلية والخدمية، ليكون القناة الأولى والأساسية للمواطن الأردني في يومياته وحياته اليومية. في المقابل، جاءت "قناة المملكة" لتملأ فراغاً استراتيجياً مهماً في فضاء الأخبار والتحليل السياسي، محلياً وإقليمياً ودولياً، مع التركيز على القضايا ذات الصلة بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
بينما يركز التلفزيون الأردني على البث الشامل والمتنوع الذي يغطي مختلف جوانب الحياة اليومية، صُممت " المملكة" لتكون منصة متخصصة وموجهة للأخبار والتحليل السياسي المعمق، مع شبكة مراسلين موزعة في عواصم القرار الإقليمية والدولية. هذا التباين الواضح يوضح بجلاء أن القناتين تكملان بعضهما البعض بدلاً من أن تتنافسا؛ فالأولى تخدم الشأن المحلي اليومي والاحتياجات الإعلامية للمواطن العادي، والثانية ترمي إلى تعزيز السردية الوطنية والتواصل الفعال مع الجمهور الخارجي والعالمي.
إن طبيعة عمل "قناة المملكة" الجيوسياسية المعقدة وتلاقيها المباشر والوثيق مع دور المملكة الإقليمي والدولي، تقتضي قيادة تتمتع ببعد نظر استراتيجي وقدرة تنسيقية عالية جداً. فالمسؤولية لا تقتصر على نقل الخبر بموضوعية، بل تتعداه إلى صياغة السردية الوطنية وإدارة الدبلوماسية العامة بكفاءة واحترافية.
وفي هذا السياق الحساس، تبرز أهمية تعيين مدير سياسي "رجل دولة" يتمتع بخبرة دبلوماسية عميقة وحس استراتيجي عالي، وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف الحيوية والمهمة. أولاً، يضمن المدير السياسي تنسيقاً مباشراً وفعالاً مع وزارة الخارجية والمؤسسات السيادية الأخرى. في أوقات الأزمات الإقليمية أو الطوارئ الوطنية، يصبح هذا التنسيق حيوياً وضرورياً لتوحيد الرسالة الإعلامية مع الخطاب الرسمي للدولة، مما يمنع التضارب والالتباس ويعزز مصداقية الدولة على المستويين الداخلي والخارجي.
ثانياً، يتعلق الأمر بتفعيل الدبلوماسية العامة بشكل احترافي. بحكم توجيه قناة المملكة للجمهور العربي والدولي الواسع، يمتلك المدير السياسي فهماً أعمق وأشمل لآليات التأثير الخارجي والدبلوماسية الإعلامية. يمكنه توظيف أدوات الدبلوماسية العامة الحديثة لبناء جسور قوية مع الإعلام الأجنبي والمشاركة الفعالة في المنتديات الدولية المهمة، مما يرفع مكانة القناة عالمياً ويعزز تأثيرها الإقليمي والدولي.
ثالثاً، تأتي قدرة إدارة الأزمات الاستراتيجية. في مواجهة الكوارث الطبيعية أو الأزمات الإقليمية أو التوترات الجيوسياسية، تحتاج القناة إلى سرد إعلامي موحد وقوي يدعم استقرار الداخل ويحافظ على سمعة الأردن دولياً. المدير السياسي ذو الخبرة أقدر على التعامل مع حملات التضليل والمعلومات المضللة وصياغة رسائل استراتيجية فعالة تطمئن الجمهورين الداخلي والخارجي.
عند النظر إلى المشهد الإعلامي الدولي، نجد أن كبريات القنوات الإخبارية العالمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً برؤية دولها الاستراتيجية، سواء من حيث التمويل أو القيادة أو التوجيه العام. فقناة الجزيرة؛ مثلا، يديرها مسؤولون حكوميون يمتلكون خلفية إعلامية وسياسية معاً، وتمولها الدولة القطرية بالكامل. وقد حققت انتشاراً واسعاً وتأثيراً سياسياً كبيراً في العالم العربي والعالم الإسلامي، لكنها وُصفت أحياناً بأنها تنقل وجهة نظر قطر السياسية بوضوح. ولذلك أعتقد أن القنوات التي يقودها سياسيون في دول الدبلوماسية العامة تحقق انتشاراً واسعاً وتأثيراً عالمياً، شريطة الالتزام الصارم بالمعايير المهنية والأخلاقية للحفاظ على المصداقية والاحترافية.
ربما يثير مقترح تعيين مدير سياسي لقناة المملكة مخاوف مشروعة وطبيعية حول تأثير ذلك على الاستقلالية التحريرية للقناة والحرية الصحفية. ومع ذلك، يمكن تبديد هذه المخاوف بشكل كامل من خلال نظام حوكمة صارم وواضح ومحدد بدقة.فقانون المملكة يكفل بوضوح إستقلالية بث الأخبار والمعلومات، ويفرض ضوابط صارمة لاستبعاد أي تدخل أجنبي أو محلي غير مشروع. تُعزّز هذه الضوابط تشكيل مجلس إدارة مستقل يعين بإرادة ملكية سامية، يضمن المحافظة على استقلالية الخط التحريري والمحتوى الإعلامي.
دور المدير السياسي يجب أن يتركز في وضع الاستراتيجية العامة للقناة، والتنسيق مع مؤسسات الدولة الأخرى، وإدارة العلاقات الخارجية والدبلوماسية، بينما يُترك العمل التحريري اليومي والمحتوى الإعلامي لهيئة تحرير مستقلة ومحترفة تعمل وفق مدونة سلوك واضحة وملزمة تضمن التوازن والموضوعية والمهنية العالية.
ولضمان نجاح هذه الخطوة الاستراتيجية المهمة، أقترح مجموعة من التوصيات العملية والواقعية:
أولاً، الإقرار الرسمي والواضح بدور القناة كأداة استراتيجية للدبلوماسية العامة ونقل الرواية الأردنية إلى الخارج، مما يبرر بشكل منطقي اختيار إدارة سياسية متخصصة.
ثانياً، تحديد معايير واضحة وموضوعية لاختيار المدير، تركز على الخبرة السياسية والدبلوماسية العميقة، الرؤية الاستراتيجية الشاملة، والقدرات القيادية المثبتة، مع إلمام أساسي وعملي بالعمل الإعلامي والصحفي.
ثالثاً، التحديد الدقيق والواضح لصلاحيات المدير السياسي بحيث لا تتدخل في العمل التحريري اليومي والمحتوى الصحفي، مع إعطاؤه حق التوجيه والإشراف في القضايا ذات المساس المباشر بالأمن الوطني والسياسة الخارجية.
رابعاً، تعزيز دور مجلس الإدارة المستقل ، والالتزام الصارم بمعايير الشفافية المالية والإدارية، وتفعيل آليات التواصل المباشر مع الجمهور لتلقي الشكاوى والاقتراحات، مما يعزّز ثقة الجمهور ويضمن المساءلة.
في الختام، إن تعيين مدير سياسي لقناة المملكة ليس انتقاصاً من مهنيتها أو استقلاليتها، بل هو ارتقاء حقيقي بدورها لتكون ذراعاً استراتيجياً قوياً يحمي المصالح الأردنية في فضاء إعلامي إقليمي ودولي بالغ التعقيد والتنافسية.
تحتاج المملكة بموقعها الجيوسياسي الحساس وأدوارها الإقليمية المتعددة، إلى قناة إعلامية قوية وفعالة تجمع بين المهنية الصحفية والرؤية الاستراتيجية. وتعيين مدير سياسي ذي خبرة عميقة سيعزز من قدرة القناة على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، سواء كانت أزمات إقليمية أو حملات تضليل أو تحديات في الدبلوماسية العامة.
هذه ليست مسألة اختيار بين السياسة والصحافة، بل هي مسألة اختيار النموذج الأنسب لخدمة المصلحة الوطنية العليا والحفاظ على مكانة المملكة الإعلامية والدبلوماسية في عالم متغير وسريع التطور.


























