د. وليد العريض يكتب: النشامى... وآخر القلاع التي ما زالت تؤمن بالحلم
نبأ الأردن -
في زمنٍ أصبحت فيه المدرجات العربية تودّع أحلامها مبكراً وتغادر البطولات مثقلةً بالأسئلة أكثر مما هي مثقلةٌ بالهزائم وفي أيامٍ باتت فيها الجماهير تبحث عن بارقة ضوءٍ وسط غيوم الإحباط التي تراكمت فوق سماء الكرة العربية، يقف منتخب النشامى اليوم لا بوصفه فريقاً يسعى إلى تحقيق نتيجةٍ في مباراة، بل بوصفه حكاية أملٍ كاملةٍ تمشي على قدمين ورسالةً تقول إن الأحلام الكبيرة لا تموت مهما تعثرت الخطوات ومهما كثرت العواصف ومهما ارتفعت أصوات المشككين...
لقد تعثرت منتخبات عربية كثيرة تحت وطأة الضغوط وقسوة المنافسة وتلقت جماهيرها ضرباتٍ موجعةً جعلت القلوب أكثر حزناً والعيون أكثر انتظاراً، لكن الحقيقة التي لا يدركها كثيرون أن الأمم لا تُقاس بلحظة سقوطها، بل بقدرتها على النهوض من جديد وأن الرياضة مثل التاريخ تماماً، لا تحفظ أسماء الذين استسلموا، بل تخلّد الذين أصروا على الوقوف بعدما ظن الجميع أنهم لن يقفوا مرةً أخرى...
واليوم ينظر العرب إلى النشامى كما ينظر المسافر التائه إلى آخر نجمةٍ في السماء، لا لأن الأردن وحده حاضرٌ في هذه الحكاية، بل لأن شيئاً من مشاعر العرب جميعاً بات معلقاً بهذا المنتخب الذي تعلّم أن يقاتل بصمت وأن يعمل بعيداً عن الضجيج وأن يصنع من الإمكانات المتواضعة أحلاماً كبيرةً كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة...
إن النشامى لا يحملون على أكتافهم قمصاناً فقط، بل يحملون دعوات الأمهات وقلق الآباء، وأمنيات الأطفال الذين ما زالوا يصدقون أن كرة القدم يمكن أن تصنع المعجزات ويحملون كذلك شيئاً من رجاء الجماهير العربية التي أنهكتها الخسارات وتعبت من انتظار اللحظة التي ترى فيها منتخباً عربياً يقف شامخاً بين الكبار ويقول للعالم إن هذه الأمة ما زالت قادرة على الفرح وما زالت قادرة على المنافسة وما زالت قادرة على كتابة قصة مختلفة...
ومن المغرب الذي كتب ذات يوم ملحمةً أدهشت العالم وأعادت الاعتبار للكرة العربية والإفريقية والإسلامية، إلى مصر التي لا يزال تاريخها الكروي الكبير يسكن وجدان الملايين، إلى العراق والجزائر وتونس والسعودية وقطر وفلسطين وسائر الأقطار العربية، تمتد خيوط الأمنيات نحو عمّان، وتلتقي عند اسمٍ واحدٍ أصبح اليوم رمزاً للإصرار والكبرياء والعناد الجميل...
ليس مطلوباً من النشامى أن يحملوا أوزار الآخرين وليس مطلوباً منهم أن يصححوا كل أخطاء الكرة العربية، لكن المطلوب منهم أن يبقوا أوفياء لأنفسهم وأن يدخلوا الملعب كما عرفهم الأردنيون دائماً، رجالاً لا يعرفون الاستسلام، ومقاتلين لا يتراجعون عند الشدائد ومؤمنين بأن القلب الكبير يستطيع أحياناً أن يهزم الحسابات كلها...
أيها النشامى...
لا تنظروا إلى المدرجات فحسب، بل انظروا إلى القلوب التي تنتظر خلفها ولا تنظروا إلى الخصوم وحدهم، بل انظروا إلى الحلم الذي يسير معكم من مدينةٍ إلى مدينة ومن مباراةٍ إلى أخرى، ولا تفكروا في الضغوط لأن الشعوب لا تتذكر من خاف، بل تتذكر من قاتل بشرفٍ حتى آخر ثانية...
إن العرب اليوم لا يبحثون عن معجزة، بل يبحثون عن فريقٍ يمنحهم سبباً جديداً للإيمان وعن مجموعة رجالٍ يركضون فوق العشب وكأنهم يركضون فوق جراح أمةٍ كاملة، وعن رايةٍ تبقى مرفوعة حين تنخفض الرايات الأخرى...
فامضوا يا نشامى الأردن...
وامضوا وأنتم تحملون اسم وطنٍ علّم أبناءه أن الكرامة لا تُقاس بالحجم وأن الإرادة لا تُقاس بالإمكانات وأن الرجال يُعرفون ساعة الشدة لا ساعة الفرح...
وامضوا وأنتم تعلمون أن خلفكم شعباً لا يعرف إلا الحب وأمةً تتمنى لكم النجاح وملايين القلوب التي ترى فيكم اليوم أكثر من منتخب...
ترى فيكم أملاً...
وترى فيكم كبرياءً...
وترى فيكم آخر القلاع التي ما زالت تؤمن بأن الحلم العربي لم يمت بعد...

























