محمد عيد النعيمات يكتب: ما وراء ناطحات السحاب: تأملات في التجربة الصينية
بدعوة كريمة من الأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO) التابعة لوزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية، شاركت ضمن الوفد الأردني المكوّن من ثمانية مشاركين في برنامج التعاون بين دول آسيا (South-South Cooperation of Asian Countries)، الذي عُقد في مدينتي بكين وقويتشو خلال شهر يونيو 2026. وكانت هذه الزيارة الأولى لي إلى الصين، الدولة التي طالما ارتبط اسمها في الأذهان بالنمو الاقتصادي المتسارع والتقدم التكنولوجي الهائل. إلا أن ما شاهدته خلال هذه الزيارة لم يكن مجرد إنجازات مادية أو مشاريع عملاقة، بل تجربة حضارية وتنموية متكاملة دفعتني إلى إعادة النظر في كثير من التصورات المسبقة، والتأمل في الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا التحول الاستثنائي.
عندما يُذكر اسم الصين، غالباً ما تتجه الأنظار إلى ناطحات السحاب الشاهقة، وشبكات النقل المتطورة، والقطارات فائقة السرعة، والتقدم المذهل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الصورة، على أهميتها، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من المشهد. أما جوهر التجربة الصينية، كما رأيته خلال هذه الزيارة، فيكمن في وجود رؤية واضحة للمستقبل، وإرادة جماعية للعمل، وثقافة مجتمعية تؤمن بأن التنمية ليست مشروعاً مؤقتاً، بل مسيرة طويلة تتطلب الصبر والانضباط والاستثمار المستمر في الإنسان.
خلال البرنامج، أتيحت لنا الفرصة للاطلاع على العديد من التجارب الاقتصادية والتنموية والعلمية، والاستماع إلى خبراء ومسؤولين عرضوا مسيرة التحول التي شهدتها الصين خلال العقود الماضية. وكان واضحاً أن ما تحقق لم يكن نتاج الصدفة أو الظروف العابرة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، ورؤية واضحة للأهداف، وقدرة استثنائية على تحويل الخطط إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين.
ومن أكثر الأمور التي استوقفتني خلال الزيارة أن التنمية في الصين لا تبدو مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية تُعرض في التقارير، بل واقعاً يلمسه المواطن في حياته اليومية. فقد شاهدنا حجم الاستثمار في البنية التحتية، وشبكات الطرق والجسور الحديثة، ووسائل النقل المتقدمة، والخدمات العامة التي تعمل بكفاءة عالية. والأهم من ذلك أن هذه الإنجازات تبدو موجهة لخدمة الإنسان وتحسين جودة حياته، وهو ما يمنح التنمية معناها الحقيقي.
كما لفت انتباهي المستوى العالي من التنظيم والانضباط في مختلف جوانب الحياة العامة. فمنذ لحظة الوصول إلى الصين وحتى مغادرتها، كان من السهل ملاحظة احترام الوقت، والالتزام بالنظام، والدقة في تنفيذ الأعمال. وقد أدركت أن هذا الانضباط ليس مجرد سلوك فردي، بل جزء من ثقافة مجتمعية ساهمت في بناء ما نشهده اليوم من تقدم وإنجازات. فالمشاريع الكبرى لا تنجح بالأفكار وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من الالتزام والعمل الجاد والمتابعة المستمرة.
وفي بكين، وجدت نفسي أمام مشهد يجسد قدرة الصين على تحقيق معادلة صعبة نجحت فيها قلة من الدول؛ وهي الجمع بين الأصالة والمعاصرة. فعند التجول في المدينة المحرمة والأحياء التاريخية القديمة، يشعر الزائر بعظمة حضارة تمتد لآلاف السنين، بينما لا تبعد عنه سوى دقائق مناطق الأعمال الحديثة والأبراج الشاهقة ومراكز الابتكار والتكنولوجيا. لقد أدركت أن الصين لم تبنِ مستقبلها على حساب تاريخها، بل جعلت من تاريخها أساساً تنطلق منه نحو المستقبل.
وقد تعزز هذا الفهم بصورة أعمق خلال زيارتنا إلى المتحف الوطني للحزب الشيوعي الصيني في بكين. فقد كانت هذه الزيارة من أكثر المحطات الفكرية أهمية بالنسبة لي، لأنها أتاحت لنا فرصة فهم المسار التاريخي الذي مرت به الصين خلال العقود الماضية. فمن خلال الوثائق والصور والمعروضات المختلفة، أمكن تتبع رحلة طويلة من التحديات والتحولات التي مرت بها البلاد حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. ولم يكن المتحف بالنسبة لي مجرد عرض لتاريخ سياسي، بل نافذة لفهم فلسفة العمل طويل المدى، وأهمية وجود رؤية واضحة للمستقبل، وكيف يمكن للإصرار والتخطيط أن يحولا التحديات إلى فرص والآمال إلى إنجازات. لقد ساعدتني هذه الزيارة على فهم أن ما نراه اليوم من نهضة اقتصادية وتكنولوجية ليس حدثاً منفصلاً عن الماضي، بل نتيجة مسيرة طويلة من العمل المتواصل والتخطيط الاستراتيجي.
ومن بين المحطات التي تركت أثراً عميقاً في نفسي كانت زيارتنا إلى مقاطعة قويتشو. فقد أدهشتني هذه المقاطعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمن جهة، تتمتع بطبيعة ساحرة وجبال خضراء ومناظر خلابة تعكس جمال الصين وتنوعها الجغرافي، ومن جهة أخرى تمثل نموذجاً متقدماً في مجالات الاقتصاد الرقمي والبيانات الضخمة والصناعات الحديثة. لقد رأينا كيف يمكن لمنطقة كانت تواجه تحديات جغرافية وتنموية أن تتحول إلى مركز للابتكار والنمو من خلال الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
وما أثار إعجابي في قويتشو ليس فقط حجم المشاريع التي شاهدناها، بل قدرتها على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة والطبيعة. كما لمسنا كيف وصلت التنمية إلى المناطق الريفية، وكيف انعكست المشاريع والسياسات الحكومية على تحسين مستوى المعيشة وتوفير الفرص الاقتصادية وتعزيز جودة الخدمات. وقد عزز ذلك قناعتي بأن نجاح التنمية لا يقاس بحجم المدن الكبرى فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى جميع فئات المجتمع ومناطقه.
ورغم كل ما شاهدناه من إنجازات اقتصادية وتقنية، يبقى الجانب الإنساني أكثر ما علق في ذاكرتي. فقد كان الشعب الصيني أحد أجمل مفاجآت هذه الرحلة. ففي كل مكان زرناه، لمسنا قدراً كبيراً من الاحترام والود وحسن الاستقبال. لكن ما أثار إعجابي حقاً هو أن هذه اللطافة لم تكن مجرد استجابة لطلب أو رد فعل لموقف معين، بل كانت في كثير من الأحيان مبادرة تلقائية وصادقة. ففي محطات القطار، وفي الشوارع، وفي المؤسسات التي زرناها، وحتى في المواقف اليومية البسيطة، كان كثير من الناس يبادرون إلى تقديم المساعدة أو الإرشاد أو الترحيب دون أن يُطلب منهم ذلك. وعلى الرغم من أن اللغة كانت تمثل أحياناً تحدياً في التواصل، إلا أن الابتسامة الصادقة والرغبة الحقيقية في المساعدة كانتا كفيلتين بتجاوز أي حاجز لغوي أو ثقافي. وقد ترك هذا الجانب الإنساني أثراً عميقاً في نفسي، وجعلني أؤمن بأن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو إنجازات، بل أيضاً بما تحمله من قيم إنسانية وسلوك حضاري في التعامل مع الآخرين.
لقد تعلمت من هذه التجربة أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو تطورها التكنولوجي، وإنما أيضاً بالقيم التي تحكم مجتمعها، وبقدرتها على بناء الإنسان قبل بناء الحجر. فالتكنولوجيا يمكن تطويرها، والمباني يمكن تشييدها، أما بناء ثقافة العمل والانضباط والإيمان بالمستقبل فهو مشروع طويل يحتاج إلى رؤية وقيادة وصبر.
إن التجربة الصينية لا تقدم وصفة جاهزة يمكن نقلها إلى دول أخرى، فلكل دولة ظروفها وخصوصيتها. لكنها تقدم دروساً مهمة تستحق التأمل، من أبرزها أهمية التخطيط بعيد المدى، والاستثمار في الإنسان، وربط التكنولوجيا باحتياجات المجتمع، والحفاظ على الهوية الوطنية بالتوازي مع التحديث والانفتاح على العالم.
وعندما أتأمل ما شاهدته في المدن الحديثة، وما تعلمته خلال المحاضرات، وما عايشته في المتحف الوطني للحزب الشيوعي الصيني، أجد أن القاسم المشترك بينها جميعاً هو الإيمان العميق بأهمية التخطيط للمستقبل والعمل من أجل الأجيال القادمة. وربما لهذا السبب تبدو التجربة الصينية اليوم تجربة متماسكة ومتكاملة؛ لأنها لم تُبنَ على إنجازات متفرقة، بل على رؤية ممتدة عبر عقود طويلة من العمل المتواصل.
لقد عدت من الصين أكثر اقتناعاً بأن التنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام ومؤشرات اقتصادية، بل ثقافة وإرادة ورؤية جماعية تؤمن بأن المستقبل يمكن صناعته. كما عدت بإعجاب كبير بالشعب الصيني، وبالقدرة الفريدة لهذا البلد على الجمع بين عراقة الماضي وطموح المستقبل. ولهذا فإن ما سيبقى في ذاكرتي من هذه الزيارة ليس فقط الأبراج الشاهقة أو المشاريع العملاقة، بل ذلك الإصرار الجماعي على بناء مستقبل أفضل، والإيمان بأن الإنسان هو الغاية الحقيقية لكل عملية تنموية ناجحة.
لقد زرت الصين وأنا أحمل فضولاً لمعرفة سر نهضتها، وغادرتها وأنا أحمل احتراماً عميقاً لشعبها، وإعجاباً بتجربتها، وقناعة بأن أعظم الإنجازات تبدأ دائماً برؤية واضحة، وإنسان يؤمن بقدرة وطنه على صناعة المستقبل.
وفي ختام هذه التجربة الغنية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO)، ممثلة بمديرها وكافة القائمين على هذا البرنامج المتميز، على حسن التنظيم وثراء المحتوى العلمي والمعرفي الذي أتاح لنا فهماً أعمق للتجربة الصينية.
كما أتوجه بالشكر الخاص إلى السيد ألبرت، كلير، هانا، على ما أبدوه من احترافية عالية واهتمام صادق ومتابعة مستمرة أسهمت في نجاح البرنامج وترك أجمل الأثر في نفوس المشاركين.
ولا يفوتني أن أعبر عن بالغ الامتنان لجامعة الحسين بن طلال، ممثلة برئاستها وإداراتها المختلفة، ولدائرة العلاقات الدولية فيها، على دعمها وتشجيعها لهذه المشاركة العلمية والمعرفية، وإتاحة الفرصة لتمثيل الجامعة والمملكة الأردنية الهاشمية في هذا البرنامج الدولي المتميز.
كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى حكومة جمهورية الصين الشعبية، ووزارة التجارة الصينية، والسفارة الصينية في المملكة الأردنية الهاشمية، على جهودهم في تعزيز جسور التعاون والتفاهم بين الشعوب، متمنياً أن تسهم مثل هذه البرامج في توسيع آفاق التعاون الأردني الصيني في مختلف المجالات، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين.


























