اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. فراس محمود الدعجة يكتب: التجربة الصينية والتعاون الآسيوي: رؤى تنموية وشراكات للمستقبل

د. فراس محمود الدعجة يكتب:  التجربة الصينية والتعاون الآسيوي: رؤى تنموية وشراكات للمستقبل
نبأ الأردن -
بدعوة كريمة من الحكومة الصينية، ووزارة التجارة الصينية، والأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO)، شاركت في "ندوة التعاون بين دول آسيا" التي عُقدت خلال الفترة من 3 إلى 16 حزيران 2026، والتي شكلت منصة دولية مهمة لتبادل الخبرات واستكشاف النماذج التنموية الناجحة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية المستدامة. وقد أتاحت الندوة فرصة متميزة للحوار وتبادل المعرفة بين ممثلي عدد من الدول الآسيوية، بما يعزز آفاق التعاون بين دول الجنوب ويدعم مسارات التنمية المشتركة وبناء الشراكات المستقبلية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية.
وتكتسب هذه الندوة أهمية خاصة لأنها أتاحت للمشاركين فرصة الاطلاع المباشر على التجربة الصينية في التنمية، وهي تجربة أصبحت محط اهتمام عالمي لما حققته من إنجازات استثنائية خلال العقود الأربعة الماضية. فقد تمكنت الصين من الانتقال من دولة نامية تواجه تحديات اقتصادية كبيرة إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم، مستندة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، وإرادة سياسية واضحة، واستثمار مستمر في الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا.
ولم تقتصر الندوة على الجوانب النظرية والأكاديمية، بل تضمنت برنامجاً ميدانياً ثرياً شمل زيارات إلى مؤسسات اقتصادية وعلمية وثقافية وتقنية في كل من العاصمة بكين وإقليم قويتشو، الأمر الذي أتاح للمشاركين التعرف على نماذج عملية للتنمية والتحديث، ومشاهدة التحولات التي شهدتها الصين على أرض الواقع.
وأبرز ما يلفت الانتباه في التجربة الصينية هو قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على إرثها الحضاري والثقافي العريق والانفتاح على المستقبل. فالصين لم تنظر إلى الحداثة بوصفها قطيعة مع الماضي، بل باعتبارها امتداداً له وتطويراً لأدواته. ويظهر ذلك بوضوح في المدن الذكية، وشبكات القطارات فائقة السرعة، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، التي تعكس قدرة الدولة على توظيف التكنولوجيا لخدمة التنمية وتحسين جودة الحياة.
كما سلطت الندوة الضوء على مرتكزات النموذج التنموي الصيني، والتي تتمثل في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، والاستثمار المكثف في رأس المال البشري، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، إلى جانب بناء شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص. وقد أسهمت هذه العناصر مجتمعة في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الصيني على المستوى العالمي.
ومن بين القضايا التي حظيت باهتمام واسع خلال الندوة قضية التحول الرقمي، باعتباره أحد أهم محركات التنمية في القرن الحادي والعشرين. فقد عرضت الصين تجربتها في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية، وهي أدوات أسهمت في رفع كفاءة المؤسسات، وتسريع تقديم الخدمات، وتعزيز الشفافية، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.
وفي قطاع التعليم، استعرضت الصين نماذج متقدمة في التعليم الإلكتروني والتعلم الذكي، بما مكّنها من توسيع فرص التعليم والوصول إلى الفئات البعيدة جغرافياً. أما في القطاع الصحي، فقد برزت تجربة الرعاية الصحية الذكية التي تعتمد على السجلات الطبية الرقمية والتشخيص عن بعد والتطبيقات الإلكترونية، الأمر الذي ساعد في تحسين كفاءة الخدمات الصحية وتقليص الفجوات التنموية بين المناطق الحضرية والريفية.
كما تناولت الندوة أهمية التعاون الدولي بين الدول الآسيوية ودول الجنوب العالمي، في ظل التحديات المشتركة التي تواجهها هذه الدول، سواء في مجالات التنمية الاقتصادية أو الأمن الغذائي أو التحول الرقمي أو التغير المناخي. وقد أكدت التجربة الصينية أن تبادل الخبرات ونقل المعرفة وبناء الشراكات الاستراتيجية يشكل أحد أهم المسارات لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاستقرار والازدهار.
ومن وجهة نظري، شكلت هذه الندوة تجربة معرفية ومهنية غنية للغاية، ليس فقط على المستوى الشخصي، وإنما أيضاً على المستوى المؤسسي. فقد أتاحت فرصة حقيقية لفهم الأسس التي قامت عليها التجربة الصينية الناجحة، والتعرف إلى أهمية التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الإنسان والابتكار باعتبارها عناصر جوهرية في أي مشروع تنموي. كما عززت القناعة بأهمية الانفتاح على التجارب الدولية والاستفادة من النماذج الناجحة مع مراعاة خصوصية كل دولة واحتياجاتها الوطنية.
وفي الختام، فإن التجربة الصينية تقدم نموذجاً تنموياً جديراً بالدراسة والاستفادة، ليس باعتباره نموذجاً قابلاً للاستنساخ، بل باعتباره تجربة تؤكد أن الإرادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا، تمثل مفاتيح أساسية لتحقيق التنمية الشاملة. كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير للحكومة الصينية، ووزارة التجارة الصينية، والأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO)، على حسن التنظيم وكرم الضيافة وإتاحة هذه الفرصة النوعية التي أسهمت في تعميق المعرفة وتعزيز الحوار والتعاون بين دول آسيا، بما يخدم أهداف التنمية المشتركة وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة للجميع.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions