مريم بسام بني بكار تكتب : المرأة والأحزاب تحديات وفرص تحسمها الكفاءة
نبأ الأردن -
تعتبر المرأة شريكاً أساسياً في صناعة القرار وبناء المستقبل فلا يمكن الحديث عن حياة سياسية حزبية فاعلة ومؤثرة دون الحديث عن دور المرأة. فمشاركة المرأة في الأحزاب السياسية لم تعد مجرد مطلب يتعلق بتحقيق المساواة أو تعزيز التمثيل، بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها متطلبات التنمية السياسية الحديثة، حيث أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تتيح للمرأة مساحة حقيقية للمشاركة في العمل العام تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتقدم وصياغة سياسات تعكس احتياجات المجتمع بكافة مكوناته.
خلال العقود الماضية تغيرت النظرة الى دور المرأة السياسي، وانتقلت المرأة من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع المشارك في صنعها، وأصبحت حاضرة في البرلمانات والحكومات والأحزاب ومراكز التأثير المختلفة. ومع ذلك، فإن الطريق نحو مشاركة سياسية وحزبية متكاملة ما يزال يواجه العديد من التحديات التي تتطلب جهداً مجتمعياً ومؤسسياً متواصلاً لضمان تمكين المرأة وتمكين المجتمع من الاستفادة من طاقاتها وإمكاناتها.
وتساهم الأحزاب السياسية المدرسة في اعداد القيادات وصناعة الكوادر القادرة على إدارة الشأن العام، ومن هنا تبرز أهمية وجود المرأة داخل هذه الأحزاب ليس كرقم يضاف إلى سجلات العضوية أو كحضور شكلي يحقق متطلبات التمثيل، وإنما كقوة فاعلة تسهم في صياغة البرامج السياسية ورسم الرؤى المستقبلية والمشاركة في اتخاذ القرار. فالمرأة تمتلك من الخبرات والمعارف والقدرات ما يؤهلها للمساهمة في معالجة القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن قربها من العديد من القضايا المجتمعية يمنحها رؤية مختلفة تثري العمل السياسي وتضيف إليه أبعاداً أكثر شمولاً وواقعية.
ورغم التطور الذي شهدته مشاركة المرأة في العمل الحزبي، إلا أن العديد من النساء ما زلن يواجهن تحديات تعيق وصولهن إلى مواقع التأثير والقيادة. وتأتي بعض الموروثات الاجتماعية والثقافية في مقدمة هذه التحديات، حيث ما زالت بعض البيئات تنظر إلى العمل السياسي باعتباره مجالاً يقتصر على الرجال، الأمر الذي يحد من فرص المرأة في الانخراط بالحياة الحزبية أو يدفعها إلى مواجهة ضغوط اجتماعية قد تؤثر على مسيرتها السياسية. كما أن النظرة النمطية التي تقيس نجاح المرأة بمعايير مختلفة عن تلك التي يتم بها تقييم الرجل تشكل عائقاً إضافياً أمام تحقيق المشاركة المتكافئة.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الاجتماعي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب التنظيمية والسياسية، إذ تواجه المرأة أحياناً صعوبة في الوصول إلى المواقع القيادية داخل بعض الأحزاب، رغم امتلاكها الكفاءة والخبرة اللازمتين. كما أن محدودية الموارد المالية والدعم اللوجستي تشكل عائقاً أمام العديد من النساء الراغبات في خوض غمار العمل السياسي والمنافسة الانتخابية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية واتساع متطلبات العمل العام.
وفي عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي برزت تحديات جديدة أمام المرأة السياسية، حيث أصبحت أكثر عرضة لحملات التشويه والتنمر والانتقادات الشخصية التي تستهدف أحياناً حياتها الخاصة أو شكلها أو خلفيتها الاجتماعية بدلاً من مناقشة أفكارها وبرامجها. وهذا النوع من الاستهداف لا يضر بالمرأة وحدها، بل يضعف الحياة السياسية بأكملها ويحد من قدرة المجتمع على الاستفادة من الكفاءات النسائية القادرة على الإسهام في عملية التنمية وصنع القرار.
وعلى الرغم من هذه التحديات، أثبتت المرأة في مختلف أنحاء العالم قدرتها على النجاح والتميز عندما تتوفر لها الفرصة العادلة. فقد برهنت التجارب السياسية أن المرأة قادرة على القيادة والإدارة والتفاوض وصنع السياسات بكفاءة واقتدار، وأن وجودها في مواقع القرار يسهم في تعزيز قيم الحوار والتوافق والاهتمام بالقضايا التنموية والإنسانية، ويضيف بعداً مهماً لعملية صنع السياسات العامة.
وفي الأردن، جاءت مسارات التحديث السياسي لتعكس إيمان الدولة بأهمية توسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة والحزبية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء مستقبل سياسي أكثر قوة يتطلب إشراك جميع الطاقات الوطنية دون استثناء. وقد فتحت التشريعات والإصلاحات السياسية الحديثة آفاقاً أوسع أمام المرأة للمشاركة في الأحزاب وخوض الانتخابات والوصول إلى مواقع القيادة، إلا أن نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار العمل على تعزيز الثقافة المجتمعية الداعمة لمشاركة المرأة وتوفير البيئة التي تمكنها من ممارسة دورها السياسي بحرية وثقة وكفاءة.
إن تمكين المرأة حزبياً يعد قضية وطنية ترتبط بجودة الحياة السياسية ومستقبل الديمقراطية وقدرة الدولة على الاستفادة من جميع مواردها البشرية. فالمرأة تحمل معها رؤية وتجربة وخبرة يمكن أن تسهم في خدمة الوطن، وكل خطوة نحو تعزيز مشاركتها هي خطوة نحو بناء مجتمع أكثر عدالة وتوازناً وقدرة على مواجهة التحديات. وعندما تصبح المرأة شريكاً كاملاً في صناعة القرار لا تكون هي المستفيدة الوحيدة، بل يكون الوطن بأسره هو الرابح الأكبر، لأن الأوطان القوية تُبنى بعقول وسواعد جميع أبنائها وبناتها، وتزدهر عندما تُمنح الكفاءة الفرصة بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
لقد كانت المرأة الأردنية شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والإنجاز، فأنجبت القادة والعلماء والأطباء والمعلمين والجنود الذين خدموا وطنهم بإخلاص. وهي لا تربي أبناءها على النجاح الشخصي فحسب، بل تغرس فيهم روح المسؤولية والوفاء للوطن والاستعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل رفعته وحمايته.
ولذلك لم تقتصر إنجازات المرأة الأردنية على موقع أو منصب، بل تجلت في أعظم إنجاز يمكن أن تقدمه للوطن، وهو بناء الإنسان الواعي المعتز بهويته، المؤمن بقيمه وثوابته، لتبقى بحق عنواناً للفخر وشريكاً أساسياً في صناعة مستقبل الأردن.


























