م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين يصبح المنتخب الوطني وطنا
نبأ الأردن -
حين يدخل المنتخب الوطني الأردني إلى الملعب، لا تدخل معه كرة قدم فحسب، بل تدخل ذاكرة بلدٍ كاملٍ تعلّم أن يصنع من القلة معنى، ومن الضيق مساحةً للكرامة، ومن التحدي لغةً للبقاء. في تلك الدقائق التي تتجه فيها العيون إلى المستطيل الأخضر، يتخفف الأردني من أثقال يومه، لا لأنه نسيها، بل لأنه يجد في المنتخب صورةً مكثفة لما يتمنى أن يكون عليه وطنه: متماسكاً، شجاعاً، قادراً على المنافسة، ومؤمناً بأن الإرادة يمكن أن تسبق الإمكانات.
ليس المنتخب، في الوجدان الأردني، مؤسسة رياضية وحسب، بل مرآة رمزية يرى الناس فيها أنفسهم. اللاعب الذي يركض حتى آخر دقيقة لا يمثل قميصاً فقط، بل يمثل المواطن الذي يركض في حياته اليومية بين غلاء المعيشة وضيق الفرص وقلق المستقبل، محاولاً أن يحافظ على توازنه دون أن يفقد كرامته. وحين يسجل المنتخب هدفاً، لا يفرح الناس لأن الكرة تجاوزت خط المرمى فقط، بل لأن شيئاً في داخلهم يتجاوز، ولو للحظة، خطوط العجز والإحباط والانتظار الطويل.
في الأردن، حيث لا تتكئ الدولة على بحار النفط، يصبح الإنجاز الإنساني أكثر من مجرد نجاح؛ يصبح برهاناً على أن القيمة لا تُقاس بما في باطن الأرض وحده، بل بما في عقول الناس وضمائرهم وأيديهم. فالفوسفات والبوتاس والصخر الزيتي واليورانيوم والثروات المعدنية يمكن أن تكون عناصر قوة، لكنها تبقى صامتة ما لم يحركها إنسان يعرف كيف يحول الإمكان إلى فعل، والموارد إلى عدالة، والثروة إلى مستقبل. لذلك لا يبدو غريباً أن يتحول اللاعب الأردني إلى رمز، لأنه يجسد، في لحظة أداء، تلك الفكرة القديمة المتجددة: أن الإنسان هو الثروة التي لا تنضب إذا صانتها الدولة وأحسن المجتمع استثمارها.
إن ما يحدث في المدرجات والشوارع والمقاهي خلال مباريات المنتخب ليس مجرد حماس جماهيري؛ إنه لحظة نادرة تستعيد فيها الجماعة قدرتها على الشعور بذاتها. في الأيام العادية، يتوزع الناس بين هوياتهم الصغيرة: المدينة والقرية، العشيرة والعائلة، المهنة والمنطقة، الرأي السياسي والموقع الاجتماعي. لكن حين يرتفع العلم الأردني، تتراجع هذه العلامات إلى الخلف، لا لأنها تختفي، بل لأنها تجد مكانها الطبيعي داخل هوية أوسع. فالهوية الوطنية لا تلغي الهويات الأخرى، لكنها تمنحها معنى أعلى، كما يمنح النهر روافده اتجاهاً واحداً دون أن يسلبها ماءها الخاص.
وقد يكون للمكوّن الديني دوره في تشكيل هذه الحالة، لا بوصفه تفسيراً وحيداً للحماسة، بل بوصفه لغة أخلاقية وعاطفية مشتركة. فالدعاء الذي يسبق المباراة، والابتهال الذي يرافق لحظات الخوف، والشكر الذي يفيض بعد الفوز، كلها تعكس ثقافة ترى في النجاح امتحاناً للصبر وفي الانتصار نعمةً تستحق الامتنان. لكن الدين هنا لا يختصر الوطنية، بل يضيف إليها بعداً وجدانياً يجعل الفرح أكثر دفئاً، والحزن أكثر تضامناً، والانتماء أكثر اتصالاً بقيم الصبر والأمل.
وكذلك العشيرة، التي كثيراً ما تُختزل في الخطاب السياسي والاجتماعي إلى مجرد رابطة تقليدية، تظهر في لحظة المنتخب بصورتها الأعمق: النخوة. فالعشيرة، في أصلها الثقافي، ليست فقط نظاماً للقرابة، بل ذاكرة للحماية والتكافل والوقوف مع الإنسان في لحظة الحاجة. وحين يتحول اللاعب إلى "ابن البلد”، تنتقل النخوة من حدود الاسم العائلي إلى رحابة الوطن. هنا تصبح العشائرية، في أجمل تجلياتها، جسراً لا جداراً؛ طاقة اجتماعية تدفع إلى النصرة الوطنية لا إلى الانغلاق، وإلى خدمة الدولة لا إلى منافستها.
غير أن الأهم من الدين والعشيرة هو ذلك الشعور الجمعي الذي يتولد لدى شعبٍ عاش طويلاً في منطقة مضطربة. الأردن لم يكن يوماً بمنأى عن حرائق الإقليم، لكنه استطاع أن يظل واقفاً في قلب العواصف. استقبل موجات من المهاجرين والنازحين، وحمل أعباء اقتصادية واجتماعية تفوق في كثير من الأحيان قدرته الطبيعية، وحافظ رغم ذلك على درجة من الاعتدال السياسي والاستقرار الاجتماعي. وهذا الاستقرار لم يكن رفاهية، بل كان قراراً يومياً بالتماسك؛ قراراً اتخذه مجتمع يعرف أن البديل عن الدولة ليس الحرية المطلقة، بل الفوضى، وأن البديل عن التوازن في الإقليم قد يكون الانهيار.
لذلك، حين يفوز المنتخب، يشعر الأردني أن انتصاره ليس رياضياً فقط، بل هو انتصار رمزي على فكرة العجز. إنه إعلان صغير، لكنه صادق، بأن بلداً محدود الموارد يستطيع أن يكون كبير الحضور، وأن شعباً يواجه تحديات المعيشة يستطيع أن يحتفظ بحقه في الفرح، وأن الإنسان الذي يُرهقه الواقع لا يزال قادراً على أن يحلم.
المنتخب الوطني، بهذا المعنى، لا يقدّم بديلاً عن السياسة ولا علاجاً للاقتصاد، لكنه يكشف عما تحتاجه السياسة والاقتصاد معاً: الثقة. فالناس لا تلتف حول لاعب لأنه مشهور، بل لأنها ترى فيه جهداً واضحاً وعرقاً لا يمكن إنكاره وإرادة لا تخضع للذرائع. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل مؤسسة: الأردني لا يطلب معجزة، بل يريد عملاً حقيقياً، وعدالة في الفرص، ومحاسبة تحمي المال العام، وكفاءة تجعل المواطن يشعر أن الدولة تلعب لصالحه كما يلعب المنتخب من أجل علمه.
إن الحماسة للمنتخب تكشف أن في المجتمع الأردني رصيداً هائلاً من الطاقة الوطنية، لكنه رصيد يحتاج إلى من يحسن توجيهه. فبدلاً من أن يبقى الفرح موسماً عابراً ينتهي مع صافرة الحكم، يمكن أن يتحول إلى ثقافة عامة: ثقافة تؤمن بأن الإنجاز ليس امتيازاً، وأن الكرامة ليست خطاباً، وأن الوطن لا يُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، بل بإرادة تجعل من المستقبل مسؤولية مشتركة.
لهذا يثور وجدان الشعب الأردني عندما يصبح المنتخب الوطني محور الساعة. ليس لأن المباراة أهم من الخبز والعمل والتعليم والعدالة، بل لأن المباراة تذكّر الناس بأنهم قادرون على الاجتماع حول معنى واحد. إنها لحظة يرى فيها الأردني وطنه كما يريد أن يراه: أقل انقساماً، أكثر كفاءة، أشد ثقة بنفسه، وأقرب إلى الصورة التي يستحقها شعبٌ لم يملك دائماً وفرة المال، لكنه امتلك دائماً وفرة الصبر والكرامة والإنسان.
























