اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. محمد بني عيسى يكتب: الصين ونموذج التنمية الملهم: دروس من برنامج التعاون بين دول آسيا

د. محمد بني عيسى يكتب: الصين ونموذج التنمية الملهم: دروس من برنامج التعاون بين دول آسيا
نبأ الأردن -
بدعوة كريمة من الأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO) التابعة لوزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية، شارك الوفد الأردني في برنامج ندوة التعاون بين دول آسيا (Seminar on South-South Cooperation of Asian Countries) الذي عقد في مدينتي بكين وقويتشو خلال الفترة من 3 إلى 16 يونيو 2026. وقد جاءت هذه المشاركة في وقت تتزايد فيه أهمية التعاون جنوب-جنوب بوصفه أحد المسارات الفاعلة لتعزيز التنمية المستدامة وتبادل الخبرات بين الدول النامية. وشكل البرنامج فرصة نوعية للاطلاع المباشر على التجربة الصينية في مجالات التنمية الاقتصادية والتحديث الصناعي والتحول الرقمي والابتكار العلمي، والتعرف عن قرب إلى السياسات والاستراتيجيات التي مكنت الصين من تحقيق تحول تاريخي جعلها واحدة من أبرز القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم المعاصر.
لقد تجاوز البرنامج مفهوم الندوات التقليدية، حيث جمع بين المحاضرات الأكاديمية المتخصصة والزيارات الميدانية للمؤسسات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والثقافية، الأمر الذي أتاح للمشاركين فرصة مشاهدة التجربة الصينية على أرض الواقع، والوقوف على العوامل التي ساهمت في تحويل الصين من دولة نامية قبل عقود قليلة إلى قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية عالمية مؤثرة.
ومن أبرز الدروس التي قدمتها التجربة الصينية أن التنمية لا تتحقق بالموارد وحدها، بل بالرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فقد نجحت الصين في بناء نموذج تنموي متوازن يجمع بين التخطيط الحكومي الفعال وديناميكية القطاع الخاص. وقد أظهرت التجربة أن تشجيع الابتكار وريادة الأعمال وتوفير البيئة التشريعية والاستثمارية المناسبة مكّن القطاع الخاص من أن يصبح أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات الوطنية.
كما أبرز البرنامج حجم التقدم الذي حققته الصين في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي. فقد أصبحت الصين من الدول الرائدة عالمياً في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الجيل الخامس والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية. ولم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تنموي بالنسبة للصين، بل أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجيتها الوطنية الرامية إلى بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة العالمية وقيادة الثورة الصناعية الرابعة.
وفي قطاع الصحة، قدمت الصين نموذجاً متقدماً للرعاية الصحية الذكية من خلال إنشاء منظومات رقمية متكاملة تتيح للمواطنين الوصول إلى سجلاتهم الطبية وحجز المواعيد الطبية إلكترونياً والحصول على نتائج الفحوصات بشكل مباشر عبر المنصات الرقمية. وقد ساهم هذا التحول في رفع كفاءة الخدمات الصحية وتوسيع نطاق الوصول إليها، خاصة في المناطق الريفية والنائية.
أما في مجال التعليم، فقد أظهرت التجربة الصينية أهمية الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للأمم. فمن خلال تطوير البنية التحتية التعليمية وتوظيف منصات التعليم الإلكتروني وتقنيات التعلم عن بعد، تمكنت الصين من تقليص الفجوة التعليمية بين المدن والمناطق الريفية، وضمان فرص تعليمية أكثر عدالة وشمولاً لجميع المواطنين.
ومن القضايا التي استحوذت على اهتمام المشاركين خلال البرنامج، الدور الذي تؤديه مبادرة الحزام والطريق باعتبارها إحدى أكبر المبادرات التنموية في القرن الحادي والعشرين. فقد نجحت المبادرة في تعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري والبنية التحتية بين عشرات الدول، وأسهمت في بناء شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة. كما فتحت آفاقاً واسعة للتعاون الدولي في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتبادل الثقافي والمعرفي.
وفي الجانب البيئي، أثبتت الصين أن التنمية الاقتصادية يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع حماية البيئة. فقد استثمرت بشكل واسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية والتكنولوجيا الخضراء، وأطلقت سياسات طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الكربوني مستقبلاً. وتعد التجربة الصينية في هذا المجال نموذجاً مهماً للدول الساعية إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.
كما أتاح البرنامج للمشاركين زيارة عدد من المؤسسات والمراكز البحثية والمشاريع الصناعية المتقدمة، إلى جانب مواقع تاريخية وثقافية بارزة مثل سور الصين العظيم والمتحف الوطني للحزب الشيوعي الصيني، الأمر الذي وفر فهماً أعمق للتطور التاريخي والحضاري الذي مرت به الصين، وللفلسفة التنموية التي تقوم على العمل طويل المدى والاستثمار المستمر في الإنسان والعلم والتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار فأن المشاركة في البرنامج مثلت فرصة مهمة للاطلاع المباشر على التجربة الصينية والاستفادة من الخبرات المتقدمة التي حققتها الصين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والصحة والطاقة والزراعة والتنمية المستدامة، مشيراً إلى أن البرنامج أتاح للمشاركين التعرف عن قرب على الإنجازات الصينية والاستفادة من الدروس المستخلصة منها بما يخدم مسارات التنمية في الأردن.
كما أوضح أن تقديمي التقرير الختامي نيابة عن الوفد الأردني عكس حجم الاستفادة التي تحققت خلال البرنامج، مؤكداً أهمية البناء على هذه التجربة لتعزيز التعاون الأردني الصيني في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والبحث العلمي والتعليم العالي والتكنولوجيا والصناعة والتحول الرقمي.

وفي المحصلة، أكدت هذه المشاركة أن الصين لا تقدم للعالم نموذجاً اقتصادياً ناجحاً فحسب، بل تقدم أيضاً رؤية تنموية شاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي والابتكار والانفتاح والتعاون الدولي. كما أثبت البرنامج الذي نظمته الأكاديمية الصينية للتعاون الاقتصادي والتجاري الدولي للمسؤولين (AIBO) أن تبادل الخبرات بين دول الجنوب أصبح ضرورة استراتيجية في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً. ومن هنا فإن تعميق الشراكة الأردنية الصينية والاستفادة من التجربة الصينية الرائدة يمكن أن يسهما في دعم جهود التنمية والتحديث في الأردن، وفتح آفاق جديدة للتعاون المشترك بما يخدم مصالح البلدين والشعبين الصديقين.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions