اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

جهاد مساعدة يكتب: جنرالاتٌ بلا معركة

جهاد مساعدة يكتب: جنرالاتٌ بلا معركة
نبأ الأردن -
ثمة جنرالات لم تسمع بهم جبهة، ولم تحفظ أسماءهم راية، ولم يُصبهم من غبار المعارك إلا ما تراكم فوق شاشاتهم؛ لا يحملون سيفًا، بل هاتفًا، ولا يقودون جيشًا، بل يقودون لفظةً عابرةً إلى ساحة التشهير، ثم يعودون منها محمّلين بأوسمة الإعجابات.

لا يصنعون موقفًا، بل ينتظرون سقطة؛ ولا يواجهون فكرة، بل يترصّدون حرفًا ضلّ طريقه. يمرّ الإنجاز أمامهم فلا تراه عيونٌ أدمنت النظر إلى الحفر، وتسقط كلمةٌ عابرة، فينحنون أمامها بخشوع من وجد أخيرًا القضية التي تناسب قامته.

خرجت اللفظة من صاحبها مرةً، من غير قصد، عابرةً على اللسان؛ فاستقبلها الجنرالات كما يستقبل الفاتحون غنيمتهم. جرّدوها من سياقها، وألبسوها ثوب الفضيحة، وعلّقوا على صدرها نياشين الإثارة، ثم طافوا بها بين المنصات وهم يصرخون: احذروا انتشارها!

يرفعون راية الذوق العام بيد، ويوزّعون اللفظة بالأخرى؛ يستنكرونها في صدر المنشور، ثم يتولّون ترويجها في عجزه، حتى يصبح استنكارهم لها أوسعَ أبواب انتشارها.

ولم يَفُتْ هذا التناقضُ المتابعين؛ إذ رأى كثير من المعلّقين أن صاحب الرتبة الوهمية انحرف عن جادّة النقد حين أعاد نشر اللفظة ووسّع دائرة تداولها، وأن من حملها بين المنصات لا يحق له بعد ذلك أن يعتلي منبر الوعظ متعفّفًا منها؛ فالنقد ميزانٌ يضع زلّة اللسان في سياقها، أما التشهير فمقصلةٌ تختزل الإنسان في لفظةٍ عابرةٍ لم يقصدها.

الجنرال الحقيقي يبحث عن نصر، أما جنرالات العثرات فيبحثون عن سقطة. ذاك يقود الناس إلى الأمام، وهؤلاء يجرّونهم إلى قاع التعليقات. ذاك يصنع تاريخًا، وهؤلاء يصنعون وسمًا، ثم يقفون أمامه مزهوّين، كأن انتشار الكلام بديلٌ عن صدقه.

فتّشوا في لسان غيرهم، ولم يفتّشوا في أثر أفعالهم. حاكموا قولًا لم يُقصد، وبرّؤوا فعلًا قُصد. جعلوا السهو جريمة، والتكرار بطولة، ثم اعتلوا منبر الأخلاق ليطالبوا الناس بفضيلةٍ لم تظهر في أفعالهم.

هم لا يطفئون الحريق؛ بل يسكبون عليه الزيت، ثم يتدافعون زاعمين إخماده بدِلاءٍ فارغة. ولا يحرسون الفضيلة؛ بل يستأجرون عباءتها ساعةً، ثم يخلعونها عند انتهاء دورهم وقد لوّثوها بالتشهير.

فمن لا يملك فكرةً، يتكئ على زلّة.
ومن يعجز عن رؤية الإنجاز، يحتفل بعثرة.
ومن لا يملك معركةً، يحوّل حساباته إلى جبهات، وينصّب نفسه جنرالًا عليها.

ويبقى الفرق أفصح من كل بيان:
صاحب اللفظة تعثّر لسانه لحظةً بغير قصد.

أما أولئك الجنرالات، فقد أعدموا الإنصاف عن سابق إصرار، ثم واصلوا الزحف خلف العثرة، يلوّحون براية فضيلةٍ لم تعرفهم يومًا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions