د.عبدالله القضاة يكتب: خواطر أبوعون (6) وعّاظ المقاعد الخلفية
نبأ الأردن -
ثمة أشخاص لا يصنعهم الجهد، ولا ترفعهم الكفاءة، ولا تفتح لهم الأبواب حصيلةُ علمٍ أو تراكمُ خبرة؛ لكنهم يولدون في الجهة الصحيحة من شبكة العلاقات، فتتكفل الأقدار الاجتماعية بما عجزت عنه قدراتهم الشخصية.
كان صاحبنا واحداً من هؤلاء. لم يحمل مؤهلاً يلفت النظر، ولم يمتلك تجربةً مهنية تؤهله لتولي موقع قيادي، بل كان اسمه يمرّ عابراً بين الأسماء، لولا أن الرياح هبّت ذات يوم بما تشتهي السفن الراسية في مرافئ الواسطة.
فقد جاء مدير عام جديد للمؤسسة، تجمعه بعائلة صاحبنا صلات قربى ومودة قديمة. ومنذ اللحظة الأولى، أدرك الرجل أن الحظ قد قرر أخيراً أن يعمل لصالحه. وما هي إلا أشهر قليلة حتى أُعلن عن شواغر قيادية، واستُدعيت شركة استشارية متخصصة لإجراء اختبارات تقييم واختيار، في محاولة لإضفاء شيء من المهنية على المشهد.
دخل الامتحان كما يدخل المغامر معركة يعرف مسبقاً أنه غير مستعد لها. وجاءت النتيجة واضحة لا لبس فيها: سقوطٌ صريح، وإخفاقٌ لا يحتاج إلى لجنة تفسير. لكن النتائج في بعض البيئات ليست سوى وجهة نظر، أما القرار الحقيقي فيُصنع في مكان آخر.
تحرك أصحاب النفوذ، وتدخل الوسطاء، وأُعيد ترتيب المشهد بعيداً عن أعين الكفاءة. وسرعان ما اختفت ورقة الامتحان تحت ركام المجاملات، ليظهر بدلاً منها قرار التعيين. وهكذا جلس صاحبنا على كرسي القيادة، لا لأنه كان الأجدر، بل لأنه كان الأقرب.
ومضت السنوات، فاستمتع بالموقع وما يمنحه من سلطة ووجاهة وامتيازات، بينما بقي أصحاب الكفاءة الحقيقية يتأملون من بعيد كيف تُهزم الجدارة أحياناً أمام الهاتف المناسب والشخص المناسب والوقت المناسب.
غير أن القصة لا تبلغ ذروة سُخريتها هنا. فالدهشة الحقيقية بدأت يوم غادر المنصب.
فما إن ابتعد عن الكرسي حتى ارتدى ثوب المصلح، وتحول فجأة إلى ناقد شرس للفساد، وخبير في العدالة الوظيفية، ومدافع مستميت عن تكافؤ الفرص. صار يحدث الناس عن النزاهة وكأنه أحد ضحايا غيابها، ويكتب عن المحسوبية وكأنه لم يعتش يوماً على موائدها، ويهاجم الواسطة وكأنها لم تكن السلم الذي أوصله إلى حيث كان.
وفي كل مرة يتحدث فيها عن الإصلاح، كان المستمعون يتساءلون: هل يعاني الرجل من ضعف في الذاكرة، أم من فرط الثقة بأن ذاكرة الآخرين أضعف من ذاكرته؟
إن أكثر المدافعين عن الفضيلة ليسوا دائماً من أهلها، وأكثر الغاضبين على الفساد ليسوا بالضرورة ممن قاوموه. فبعضهم لا يكتشف خطايا المحسوبية إلا بعد أن يفقد امتيازاتها، ولا يسمع صوت العدالة إلا بعد أن يغادر مكتباً دخل إليه من باب الاستثناء.
وهكذا يظل المشهد يتكرر؛ رجالٌ صنعهم الخلل، ثم خرجوا علينا يلقون الخطب في محاربته، وكأن التاريخ لا يحتفظ بسجلاته، وكأن المقاعد التي حملتهم إلى الأعلى لا تعرف أسماء من جلسوا عليها.
إنهم وعّاظ المقاعد الخلفية؛ أولئك الذين لا يرون عيوب الطريق إلا بعد أن تنزلهم الرحلة عند محطتها الأخيرة.


























