د. وليد العريض يكتب: حين سقطت نبوءات السقوط... وبقيت إيران
نبأ الأردن -
كنت دوما من أنصار من يعادي الصهيونية ، ومع أنني لست من الناطقين باسم إيران ، ولا أرى في سياساتها منزلة فوق النقد أو المساءلة، إلا أنني أعترف بأن أكثر ما يثير الدهشة في مشهد الشرق الأوسط ليس ما فعلته إيران، بل ما فعله خصومها بأنفسهم. فمنذ أكثر من عقدين، تحولت فئة واسعة من المحللين والسياسيين والإعلاميين إلى ما يشبه "جمعية أصدقاء السقوط الإيراني الوشيك"، ينعقد مؤتمرها كل صباح ويُعلن فيه للمرة الألف أن النظام الإيراني يحتضر، وأن أيامه معدودة، وأن الضربة القادمة ستكون القاضية، ثم يأتي الصباح التالي ليكتشفوا أن المريض الذي كتبوا شهادة وفاته البارحة ما زال حياً، بينما تبدو توقعاتهم هي التي دُفنت في مقبرة التاريخ. لقد سقطت بغداد وسقطت كابول وسقطت طرابلس وسقطت صنعاء في الفوضى واهتزت عواصم عربية كثيرة، لكن النبوءة الوحيدة التي لم تتحقق هي النبوءة التي كانوا يكررونها كل يوم عن سقوط إيران.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الذين راهنوا على هذا السقوط لم يكتفوا بالتحليل، بل بنوا كامل رؤيتهم السياسية على انتظار تلك اللحظة. كانوا كمن يجلس على محطة قطار مهجورة ينتظر وصول قطار أُلغي منذ سنوات. كلما تعرضت إيران لعقوبة قالوا إنها النهاية، وكلما اغتيل قائد إيراني قالوا إنها النهاية، وكلما اندلعت احتجاجات قالوا إنها النهاية وكلما ارتفع الدولار قالوا إنها النهاية.
وحين لم تأتِ النهاية، لم يراجعوا حساباتهم، بل راحوا يغيرون التاريخ المتوقع للنهاية فقط.
كانوا يشبهون أولئك الذين يقفون أمام ساعة متوقفة ويقسمون أنها ستعطي الوقت الصحيح بعد قليل. واليوم، بعد أن جلست واشنطن نفسها إلى طاولة التفاهم، وبعد أن انتقلت من لغة التهديد إلى لغة التفاوض، يجد هؤلاء أنفسهم أمام سؤال محرج: إذا كانت إيران على وشك السقوط فعلاً، فلماذا تفاوضها الولايات المتحدة بدلاً من انتظار انهيارها؟
لقد راهن كثيرون على الحضن الأمريكي كما يراهن المقامر على ورقة أخيرة في ليلة خاسرة. ظنوا أن واشنطن ستخوض عنهم معاركهم وستحقق لهم أحلامهم وستسقط خصومهم وستعيد رسم المنطقة وفق أهوائهم. لكنهم نسوا درساً بسيطاً في السياسة: الولايات المتحدة لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة. وحين وجدت واشنطن أن مصالحها تقتضي التفاهم مع طهران، لم تستأذن أحداً من أولئك الذين أمضوا سنوات وهم يصفقون لكل تهديد أمريكي ويهللون لكل تصريح صادر من البيت الأبيض. وفجأة اكتشفوا أن القطار الذي كانوا يركبونه لا يسير نحو طهران، بل عاد إلى واشنطن نفسها.
أما الذين ارتعبوا من إسرائيل حتى فقدوا القدرة على التفكير السياسي الرشيد، فقد تعاملوا مع المنطقة وكأنها قطعة شطرنج لا يتحرك فيها أحد إلا بإشارة من تل أبيب. كانوا يرون الجيش الإسرائيلي جيشاً لا يُهزم ويرون الدولة العبرية قوة لا تُرد، ويرون كل مواجهة معها ضرباً من الجنون. لكن المفارقة أن إسرائيل نفسها كانت الأكثر قلقاً من أي تفاهم أمريكي إيراني، لأنها تدرك أن التفاوض مع الخصم اعتراف بوجوده والجلوس معه على الطاولة اعتراف باستمراره والبحث معه عن تسوية اعتراف باستحالة شطبه من المعادلة.
وهكذا وجد بعض المراهنين على القوة الإسرائيلية أنفسهم في وضع أشبه بمن كان يحتفل قبل إعلان النتائج ثم اكتشف أن المباراة لم تنتهِ بعد.
لكن السخرية من هؤلاء لا ينبغي أن تدفعنا إلى الوقوع في خطأ معاكس. فمذكرة التفاهم ليست شهادة انتصار نهائية لإيران، كما أنها ليست شهادة وفاة لخصومها. إنها مجرد بداية مرحلة جديدة مليئة بالألغام والأسئلة. ولهذا فإن السيناريو الأول يتمثل في نجاح تدريجي للمفاوضات يؤدي إلى رفع العقوبات وعودة الاستثمارات وتحول إيران إلى قوة اقتصادية وإقليمية أكثر تأثيراً. وعندها ستواجه المنطقة واقعاً جديداً عنوانه أن الدولة التي انتظروا سقوطها لعقود خرجت أكثر قوة مما كانت عليه قبل العقوبات والحصار والتهديدات.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو السلام البارد، حيث تنجح المفاوضات في منع الحرب لكنها تفشل في معالجة ملفات الإقليم. عندها ستبقى الساحات مفتوحة للصراع غير المباشر وستنتقل المعارك من الخنادق إلى الاقتصاد ومن الصواريخ إلى الاستخبارات ومن المواجهات العسكرية إلى التنافس على النفوذ. وسيكون الشرق الأوسط أمام مرحلة طويلة من التوازنات الدقيقة التي لا تسمح بالحرب الشاملة ولا تمنح السلام الكامل.
ويبقى السيناريو الثالث الأكثر خطورة ويتمثل في قيام إسرائيل بمحاولة إفشال أي تفاهم ترى فيه تهديداً لمصالحها الاستراتيجية. فإسرائيل ليست طرفاً في المذكرة، لكنها طرف أساسي في نتائجها. وإذا قررت استخدام القوة أو الاغتيالات أو العمليات السرية لإعادة خلط الأوراق، فإن المنطقة قد تعود إلى دائرة التصعيد من جديد، وعندها ستكتشف واشنطن أن توقيع الاتفاق كان أسهل بكثير من حمايته.
أما السيناريو الرابع فهو انهيار المفاوضات بسبب الخلاف حول العقوبات أو التخصيب أو آليات الرقابة. لكن حتى هذا السيناريو لا يعيدنا إلى نقطة البداية. فإيران التي ستخرج من مفاوضات فاشلة ليست هي إيران التي دخلتها. لقد اكتسبت اعترافاً ضمنياً بمكانتها وأثبتت أنها ليست دولة يمكن تجاوزها أو شطبها بقرار سياسي أو حملة إعلامية أو أمنية.
ويبقى السيناريو الخامس والأبعد مدى وهو أن تكون هذه المذكرة بداية إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله. ليس لأن الأطراف أصبحت ملائكة سلام، بل لأن الجميع تعب من الحروب المكلفة التي استنزفت المال والدم والوقت دون أن تحسم الصراع. وفي هذه الحالة قد نشهد خلال السنوات القادمة ولادة نظام إقليمي جديد يقوم على التنافس السياسي والاقتصادي أكثر مما يقوم على المواجهة العسكرية المباشرة.
الخلاصة أن الذين سخروا من إيران طوال سنوات يواجهون اليوم لحظة مراجعة مؤلمة. فالتاريخ لا يحترم الأمنيات والجغرافيا لا تكترث بالشعارات والسياسة لا تُدار بالانفعالات. وبينما كان بعضهم يكتب فصول النهاية الإيرانية منذ عشرين عاماً، كانت إيران تكتب فصلاً جديداً من بقائها. واليوم وبعد مذكرة التفاهم، لم يعد السؤال: متى تسقط إيران؟ بل أصبح السؤال الأكثر إرباكاً: ماذا سيفعل الذين عاشوا على انتظار سقوطها إذا اكتشفوا أن الذي سقط في النهاية لم يكن إيران، بل توقعاتهم كلها.

























