أ.د. حسن عبدالله الدعجه يكتب: قراءة في كتاب "الدبلوماسية المتكاملة للصين تجاه الدول العربية: دراسة في التنسيق والتكامل بين الآليات والمجالات في إطار منتدى التعاون الصيني العربي"
نبأ الأردن -
يُعد كتاب «الدبلوماسية المتكاملة للصين تجاه الدول العربية» من أهم الإصدارات الأكاديمية الحديثة التي تناولت العلاقات العربية–الصينية من منظور استراتيجي شامل، إذ يقدم رؤية متكاملة لفلسفة السياسة الخارجية الصينية وآلياتها تجاه العالم العربي، ويكشف عن التحول العميق الذي شهدته الدبلوماسية الصينية خلال العقود الأخيرة من مجرد علاقات ثنائية تقليدية إلى نموذج متكامل يقوم على التنسيق بين المؤسسات والقطاعات والمجالات المختلفة في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه لا يقتصر على سرد مسار العلاقات الصينية العربية أو توثيق تطورها التاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى تقديم إطار فكري ونظري متكامل لفهم طبيعة الحضور الصيني المتنامي في العالم العربي. ويطرح المؤلف مفهوم «الدبلوماسية المتكاملة» بوصفه نموذجاً جديداً يجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية والأمنية ضمن رؤية استراتيجية موحدة، تقوم على التنسيق بين مختلف المؤسسات والآليات والفاعلين. ويُبرز الكتاب أن الصين تنظر إلى الدول العربية باعتبارها شريكاً استراتيجياً في بناء نظام دولي أكثر توازناً وعدالة وتعددية، وليس مجرد مصدر للطاقة أو سوق للسلع. كما يوضح كيف تسعى بكين إلى توظيف أدوات التنمية والاستثمار والتبادل الحضاري لتعزيز الشراكات طويلة الأمد وترسيخ مفهوم المصير المشترك بين الصين والدول العربية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر.
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الكتاب أن الصين نجحت في تطوير نموذج متميز في إدارة العلاقات الدولية يختلف عن النماذج الغربية التقليدية التي ارتبطت لعقود طويلة بمنطق التحالفات العسكرية والاستقطاب السياسي وتقاسم مناطق النفوذ. فالنموذج الصيني، كما يقدمه المؤلف، يقوم على بناء الشراكات الاستراتيجية وتحقيق التنمية المشتركة وتعزيز التعاون الجماعي القائم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ويصف المؤلف هذا التحول بأنه انتقال من فلسفة «البحث عن الأعداء» إلى فلسفة «البحث عن الأصدقاء»، ومن منطق الهيمنة والصراع إلى منطق التكامل والتنمية. ويُبرز الكتاب أن نجاح الصين في توسيع شبكة علاقاتها الدولية يعود إلى قدرتها على الجمع بين القوة الاقتصادية والرؤية الحضارية الشاملة، بما يعكس فلسفة صينية عميقة تقوم على الانسجام والتوازن وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وهو ما منح النموذج الصيني جاذبية متزايدة لدى العديد من الدول النامية والعربية.
كما يبرز الكتاب الدور المحوري الذي يلعبه منتدى التعاون الصيني العربي منذ تأسيسه عام 2004 بوصفه الإطار المؤسسي الجامع للعلاقات بين الجانبين. ويؤكد المؤلف أن المنتدى لم يعد مجرد منصة للحوار السياسي، بل تحول إلى منظومة متكاملة تضم عشرات الآليات المتخصصة في مجالات الطاقة، والتجارة، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والصحة، والمرأة، والشباب، والتكنولوجيا، والفضاء، وغيرها. وهذا التنوع يعكس قدرة الصين على تحويل العلاقات الدولية من علاقات رسمية بين الحكومات إلى شبكات واسعة من التفاعل بين المؤسسات والمجتمعات.
في كتاب «الدبلوماسية المتكاملة للصين تجاه الدول العربية: دراسة في التنسيق والتكامل بين الآليات والمجالات في إطار منتدى التعاون الصيني العربي»، للمفكر والأكاديمي الصيني البارز البروفيسور سون ده قانغ (Sun Degang)، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة فودان بمدينة شنغهاي، ورئيس تحرير سلسلة فودان لدراسات الشرق الأوسط، والصادر عام 2026 عن دار Silk Road Publishing في العاصمة الأوزبكية طشقند، يقدم المؤلف قراءة استراتيجية إيجابية لمبادرة الحزام والطريق بوصفها الإطار العملي للدبلوماسية الصينية المتكاملة تجاه العالم العربي.
ويرى أن المبادرة تتجاوز بعدها الاقتصادي التقليدي لتشكل رؤية شاملة لإعادة ربط آسيا وأفريقيا وأوروبا عبر شبكات مترابطة من البنية التحتية والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتواصل الحضاري. ويؤكد الكتاب أن الدول العربية تحتل موقعاً محورياً في هذه الرؤية بحكم موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي، ومواردها الاقتصادية، وثقلها الحضاري والتاريخي. ومن هذا المنطلق، لا ينظر المؤلف إلى العلاقات الصينية العربية باعتبارها تعاوناً ظرفياً أو مرحلياً، بل شراكة استراتيجية طويلة الأمد تسعى إلى بناء فضاء تنموي مشترك وتعزيز التكامل الاقتصادي والتبادل الثقافي، بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي وترسيخ التعددية القطبية وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي المعاصر.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب تركيزه على البعد الحضاري والثقافي للعلاقات العربية الصينية. فالمؤلف ينطلق من حقيقة أن الحضارتين العربية والصينية من أعرق الحضارات الإنسانية، وأن طريق الحرير التاريخي لم يكن ممراً تجارياً فقط، بل جسراً للتفاعل الثقافي والمعرفي بين الشعوب. ولذلك فإن الصين، بحسب رؤية الكتاب، لا تسعى فقط إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، بل إلى بناء جسور التفاهم الحضاري من خلال الجامعات ومراكز البحث والإعلام والترجمة والتبادل الثقافي والسياحي.
ويولي الكتاب أهمية خاصة لمفهوم التعددية القطبية، حيث يرى أن العلاقات الصينية العربية تمثل أحد أبرز مظاهر التحول الجاري في بنية النظام الدولي. فالصعود الصيني المتسارع، إلى جانب تنامي دور القوى الصاعدة الأخرى، أدى إلى تراجع الاحتكار الغربي لإدارة الشؤون الدولية. وفي هذا السياق، تظهر الدول العربية كشريك مهم في إعادة تشكيل التوازنات الدولية وتعزيز دور الجنوب العالمي في صنع القرار الدولي. ومن هنا فإن التعاون الصيني العربي لا يُنظر إليه فقط من زاوية المصالح الثنائية، بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة هيكلة النظام الدولي على أسس أكثر عدالة وتوازناً.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى البعد التكنولوجي المتقدم في العلاقات الصينية العربية، وهو بعد غالباً ما يتم تجاهله في الأدبيات التقليدية. فالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية أو صناعية، بل أصبحت قوة رائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والاتصالات، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية. ويؤكد المؤلف أن المستقبل الحقيقي للتعاون العربي الصيني يكمن في الانتقال من مرحلة تبادل السلع والطاقة إلى مرحلة الشراكة في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.
ومن الناحية المنهجية، يتميز الكتاب بالشمولية والعمق، إذ يجمع بين التحليل النظري والدراسة التطبيقية، ويعتمد على الوثائق الرسمية الصينية والعربية وخطط العمل المشتركة والبيانات الصادرة عن منتدى التعاون الصيني العربي. كما يقدم تصنيفاً دقيقاً للآليات والمؤسسات التي تشكل البنية التنظيمية للعلاقات بين الجانبين، الأمر الذي يجعل الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين وصناع القرار المهتمين بالشؤون الصينية والعلاقات العربية الآسيوية.
وفي المحصلة النهائية، يمكن القول إن الكتاب يقدم صورة متفائلة لمستقبل العلاقات العربية الصينية، ويؤكد أن هذه العلاقات تجاوزت مرحلة التعاون التقليدي لتدخل مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة. كما يطرح نموذجاً جديداً في العلاقات الدولية يقوم على التعاون بدلاً من الصراع، والشراكة بدلاً من التحالفات المغلقة، والتنمية المشتركة بدلاً من الهيمنة. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن فقط في تحليله للتجربة الصينية في العالم العربي، بل في مساهمته الفكرية في فهم التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، وفي إبراز الصين بوصفها قوة دولية صاعدة تسعى إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات المتوازنة مع الدول العربية في إطار رؤية تستند إلى الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتنمية المشتركة.

























