د. وليد العريض يكتب: إسرائيل… المشروعُ الذي أكلَ سمعةَ أمريكا ثم طلبَ المزيد
نبأ الأردن -
لم تعد "إسرائيل" في نظر كثيرٍ من الأمريكيين ذلك الحليف اللامع الذي كانت الإدارات الأمريكية تلمّعه لعقودٍ طويلة كما تُلمَّع واجهات الفنادق الفاخرة قبل زيارة الملوك، بل بدأت تتحوّل تدريجيًا إلى عبءٍ سياسي وأخلاقي يشبه قريبًا مدلّلًا يعيش على حساب العائلة ثم يقضي وقته في إحراق البيت وإلقاء الخطب عن الأخلاق.
فواشنطن التي أنفقت سنواتٍ طويلة وهي تُسوّق "إسرائيل" باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط، بدأت تكتشف متأخرةً أنّ المشروع الذي رعته بلا حدود، كبر حتى صار يتصرّف كما لو أنّ أمريكا خُلقت فقط لتدفع الفواتير عنه وتخوض المعارك نيابةً عنه وتعتذر للعالم بدلًا عنه أيضًا.
فبعد غزّة، لم يعد العالم كما كان، ولم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على المشي وحدها فوق أكوام الركام وهي ترتدي قناع الضحية الأبدي.
فالكاميرات التي كانت يومًا تخدم الدعاية الغربية، انقلبت فجأة إلى شهود اتهام وكلُّ هاتفٍ صغير خرج من بين الغبار تحوّل إلى قاضٍ إلكترونيّ يفضح ما كان يُخفى لعقود والمفارقة الساخرة أنّ "إسرائيل" التي امتلكت أضخم آلة إعلامية في المنطقة، هُزمت أخلاقيًا أمام صورة طفلٍ يحمل قطعة خبز محترقة وينظر إلى العالم كأنّه يسأله: "هل هذه هي الحضارة التي تتغنون بها؟".
وفي الجامعات الأمريكية تحديدًا، بدأ الجيل الجديد يتعامل مع "إسرائيل" بوصفها مشكلةً أخلاقية لا قصةً بطولة.
فالطلاب الذين تربّوا طويلًا على الرواية الغربية التقليدية، صاروا يهتفون لفلسطين أكثر مما يهتفون لفرق كرة القدم والإدارات الجامعية التي كانت تظنّ أنّها تُدير حرمًا أكاديميًا، وجدت نفسها تُدير انفجارًا أخلاقيًا يفضح ازدواجية المعايير الغربية، حتى بدا المشهد أحيانًا وكأنّ أمريكا نفسها بدأت تخاف من مرآتها، لأنّ السؤال الذي يطاردها لم يعد: "هل إسرائيل حليف؟" ، بل: "إلى متى يمكن تبرير هذا المشهد الدموي أمام العالم؟".
أما الضفة الغربية، فقد تحوّلت إلى عرضٍ يوميّ للجنون الاستيطاني، مستوطنون يتصرّفون بعقلية عصابات القرون الوسطى لكن بدعمٍ عسكريّ حديث وحماية سياسية كاملة وحكومة احتلال تتحدث عن "السلام" بينما توزّع الخرائط على الجرافات وتترك المستوطنين يكتبون مستقبل المنطقة بالنار والرصاص، حتى بدا بعض قادة "إسرائيل" وكأنّهم يعيشون داخل متحفٍ استعماريّ قديم ويعتقدون أنّ العالم ما يزال نائمًا بلا إنترنت ولا كاميرات ولا رأي عام، بينما الحقيقة أنّ كلَّ مستوطنٍ صار كاميرا فضيحة تمشي على قدمين.
أما ترامب، ذلك الرجل الذي يُدير السياسة كما تُدار صفقات الكازينوهات أو برامج تلفزيون الواقع، فقد بدا أحيانًا وكأنّه يحاول استخدام الشرق الأوسط كله كستارة دخانٍ تُخفي أزمات الداخل الأمريكي.
فالفضائح وملفات النخب والصراعات الانتخابية والابتزاز الإعلامي، جعلت كثيرًا من الساسة الأمريكيين يبحثون عن بطولةٍ خارجية تُلهي الناس عن الحرائق الداخلية،، لكن حتى أكثر السياسيين تهورًا يعرفون أنّ اللعب بالنار الإيرانية ليس نزهةً انتخابية، لأنّ أيّ مواجهةٍ واسعة مع إيران تعني النفط والأسواق والممرات البحرية وأسعار البنزين وغضب الناخب الأمريكي الذي قد يسامح رئيسه على الفضائح الشخصية، لكنه لا يسامحه على رفع سعر الوقود في محطة البنزين القريبة من منزله.
ولهذا بدأت بعض الدوائر الأمريكية تنظر إلى نتنياهو كما ينظر رجلٌ مُرهق إلى قريبٍ لا يتوقف عن افتعال الكوارث ثم يطلب من الجميع التصفيق لعبقريته، ففي كلّ أسبوع تقريبًا أزمة جديدة، وفي كلّ شهر تهديد بحرب جديدة وفي كلّ خطابٍ إسرائيلي رسالة مبطّنة تقول لواشنطن: "قاتلوا معنا… وادفعوا عنا… واصمتوا أيضًا، وكأنّ المطلوب من البيت الأبيض أن يتحوّل إلى شركة تأمين دولية متخصصة بحماية مغامرات حكومة الاحتلال مهما كانت نتائجها الكارثية على صورة أمريكا ومصالحها وعلاقاتها الدولية.
ثم جاءت إيران ولبنان لتضاعفا الرعب داخل الحسابات الأمريكية، لأنّ أيّ حربٍ واسعة هناك لم تعد تعني تبادل صواريخ فقط، بل تعني اقتصادًا عالميًا يرتجف وأسواقًا مضطربة، وممراتٍ بحرية مهددة، وصينًا وروسيا تراقبان المشهد بهدوء الصياد الذي ينتظر خصمه حتى ينزف وحده.
بينما أمريكا التي أنهكتها الحروب الطويلة بدأت تدرك أنّ العالم لم يعد أحادي القطب كما كان وأنّ حلفاءها أنفسهم صاروا أكثر خوفًا من الانتحار السياسي دفاعًا عن سياسات نتنياهو.
والحقيقة الأخطر أنّ السؤال الذي بدأ يتسرّب همسًا داخل بعض مراكز القرار الأمريكي لم يعد: "كيف نحمي إسرائيل؟" ، بل: "هل ما تزال إسرائيل أصلًا استراتيجيًا… أم أصبحت عبئًا استراتيجيًا؟" وهذا السؤال وحده يكفي لإصابة أيّ سياسي إسرائيلي بالذعر، لأنّ الإمبراطوريات لا تُحبّ الحلفاء الذين يجرّونها إلى الحروب باستمرار، ولا تُحبّ الدول التي تلتهم سمعتها الدولية وأسواقها وتحالفاتها ومستقبلها الانتخابي ثم تطلب المزيد من الدعم والمال والسلاح والصمت.
وربما لن تستيقظ أمريكا يومًا لتعلن أنّها اكتشفت فجأة عدالة الفلسطينيين، فالإمبراطوريات لا تتحرك بالضمير أصلًا، لكنها قد تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنّ "إسرائيل" الحالية لم تعد مشروعًا رابحًا كما كانت، بل تحوّلت إلى حفرةٍ سياسية تبتلع سمعتها وتستنزف نفوذها وتُحرجها أمام العالم كلّ يوم، وعندها فقط، قد تبدأ مرحلةٌ جديدة لا يحكمها الحبّ ولا الأخلاق، بل القاعدة الأمريكية الأقدم والأكثر قسوة: لا أحد يبقى مدلّلًا حين يصبح عبئًا ثقيلًا على الإمبراطورية.


























