د. وليد العريض يكتب: تعقيب على رسالة د. وليد عبد الحي الي المرشد الإيراني..... "أمريكا بين حانا ومانا... وإسرائيل تحترق!"
نبأ الأردن -
يبدو أن بعض الناس لا يقرأون المقالات، بل يقرأون عناوينها فقط، ثم يركضون إلى منصات التواصل الاجتماعي كما يركض طفلٌ وجد صفارة إنذار جديدة، فينفخ فيها دون أن يعرف سبب الحريق.
فما إن نشر د. وليد عبد الحي رسالته إلى المرشد الأعلى في إيران، حتى خرج علينا نفرٌ من المفسرين الجدد وخبراء فك الخطاب السياسي، ليعلنوا بكل ثقة أن الرجل يحمل إيران مسؤولية تراجع القضية الفلسطينية!
والحق أن القارئ العادي الذي لم يدرس العلاقات الدولية ولم يقرأ الرسالة أصلًا، قد يكون أكثر فهمًا من هؤلاء جميعًا.
فالرسالة لم تقل إن إيران تخلت عن فلسطين ولم تقل إن فلسطين أصبحت عبئًا على إيران ولم تطالبها بالتراجع عن دعمها للقضية الفلسطينية، بل قالت العكس تمامًا.
لقد سأل الرجل سؤالًا بسيطًا:
إذا كانت كل العقوبات والحروب والضغوط والمواجهات التي تتعرض لها إيران تعود في جوهرها إلى موقفها من فلسطين، فلماذا تغيب فلسطين عن الخطاب التفاوضي بينما تحضر كل النتائج المترتبة عليها؟
سؤال أكاديمي بسيط.
لكن بعض الناس تعاملوا معه كما لو أنه إعلان حرب على طهران.
المضحك أن هؤلاء أنفسهم أمضوا سنوات طويلة يطالبون إيران بأن تجعل فلسطين محور سياساتها الخارجية، فلما جاء من يطالبها بأن تجعل فلسطين محور مفاوضاتها أيضًا، اتهموه بأنه يهاجم إيران!
إنها العبقرية العربية في أبهى صورها.
فلو قال الرجل إن إيران يجب أن تنسى فلسطين لقالوا: خائن.
ولما قال إن عليها أن تجعل فلسطين جزءًا من التفاوض، قالوا أيضًا: خائن.
وهكذا يصبح المطلوب من الكاتب العربي أن يصمت فقط، لأن الكلام نفسه صار جريمة مهما كان اتجاهه.
والأطرف من ذلك أن بعض المعلقين تصرفوا وكأن إسرائيل سعيدة بما يجري.
بينما الواقع يقول إن إسرائيل هي الطرف الأكثر قلقًا من أي تفاهم أمريكي–إيراني.
فكلما اقتربت واشنطن وطهران من طاولة اتفاق، ارتفع ضغط الدم السياسي في تل أبيب.
وكلما ظهرت مؤشرات تهدئة، بدأت صفارات الإنذار الإعلامية الإسرائيلية تعلن أن العالم يقترب من الكارثة.
فإسرائيل تريد مواجهة دائمة، لأنها تعيش على حافة المواجهة.
أما الاتفاقات فتجعلها تخشى أن تصبح وحدها في الميدان.
لذلك يبدو المشهد أحيانًا كما لو أن أمريكا تمسك بيد وإسرائيل تمسك باليد الأخرى، بينما المنطقة كلها واقفة بين "حانا ومانا" لا تعرف من يجرها وإلى أين.
أما فلسطين فهي الغائب الحاضر.
يذكرها الجميع في الخطب،
ويرفعها الجميع في الشعارات.
لكنها كثيرًا ما تختفي عندما تبدأ الحسابات الدقيقة.
وهذا بالضبط ما أرادت رسالة وليد عبد الحي التنبيه إليه.
فهي ليست اتهامًا لإيران، بل مطالبة لها بأن تجعل القضية الفلسطينية جزءًا من أوراق القوة على طاولة التفاوض.
لأن من يفاوض من أجل نفسه فقط قد يحقق مكسبًا مؤقتًا.
أما من يفاوض من أجل نفسه ومن أجل قضية عادلة يحملها منذ عقود، فإنه يدخل التفاوض وهو أكثر قوة وتأثيرًا وشرعية.
لهذا فإن الذين سارعوا إلى اتهام الرسالة ربما لم يقرأوها أصلًا.
ولو قرأوها لاكتشفوا أنها لم تكن طعنة لإيران، بل نصيحة لها.
ولم تكن تبرئة لإسرائيل، بل إدانة إضافية لها.
ولم تكن تخليًا عن فلسطين، بل مطالبة بأن تعود فلسطين إلى صدر المشهد.
لكن يبدو أن زمننا هذا لم يعد يعاني من نقص في القراء،
بل من كثرة الذين يكتبون ردودهم قبل أن يقرأوا النص.
وحينها يصبح سوء الفهم صناعة كاملة.
وتصبح الحقيقة هي الضحية الوحيدة التي لا تجد من يدافع عنها.
وختاما إن رسالة وليد عبد الحي كانت سؤالًا وتنبيهًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني عبر إدخال القضية الفلسطينية إلى قلب التفاوض، لا تحميل إيران مسؤولية تراجع القضية الفلسطينية.

























