د. وليد العريض يكتب: الغابةُ التي لا يُستجابُ فيها الدعاء الحمارُ الذي يحرسُ الشمس… والكلبُ الذي ورثَ الظلّ
نبأ الأردن -
في تلك الغابة التي تُدارُ بالنباح أكثر مما تُدارُ بالعقول والتي صار فيها الصمتُ حكمةً رسمية والتصفيقُ برنامجًا اقتصاديًا والانحناءُ الطويلُ نوعًا من "الواقعية السياسية، عاشَ حمارٌ نحيلُ الظهر، متشققُ الحوافر، يحملُ منذ عشرات السنين أثقالَ الغابة كلها ويقفُ تحت الشمس وحده، بينما كانت الحيوانات الأخرى تتبادلُ الخطب عن الشرف والسيادة والكرامة فوق منصاتٍ مكيّفة لا تعرفُ الغبار ولا العرق ولا رائحة الجوع.
وكان الحمارُ يظنُّ دائمًا أنَّ تعبه واجبٌ قوميّ وأنَّ صبره بطولة وأنَّ احتراق جلده تحت الشمس يحمي حدود الغابة من الانهيار ولذلك ظلّ واقفًا منذ زمنٍ بعيد لا يسأل لماذا يدفع وحده الثمن ولماذا كلما جاعَ قيل له إنَّ المرحلة دقيقة وكلما اشتكى قيل له إنَّ المؤامرات تحيط بالغابة وكلما سقط واحدٌ من أولاده في حفرة الفقر قيل له إنَّ الحفاظ على الاستقرار يحتاج بعض التضحيات.
أما الكلبُ الذي كان يعيش في الطرف الآخر من الغابة، فلم يحملْ يومًا شيئًا أثقل من ربطة عنقه ولم يعرفْ معنى الشمس إلا في الصور التذكارية التي يلتقطها مع النسور القادمة من وراء البحار وكان خبيرًا في هزّ الذيل بالطريقة التي تجعل الغربان تصفق له وتجعل الثعالب تمنحه لقب "الشريك الاستراتيجي، بينما هو في الحقيقة لم يكن يحرسُ سوى مصالحه الصغيرة ولم يكن مستعدًا أن يخسر شعرةً واحدة من فروه من أجل الغابة التي يتحدث باسمها كل مساء.
وكانت الثعالبُ الملوّنة تخرج كل ليلة على شاشات البوم لتشرح للحمار فوائد الصبر وتخبره أنَّ الشمس التي تحرق ظهره ليست شمسًا حقيقية بل تحديات إقليمية وأنَّ الجوع الذي يأكل أبناءه ليس جوعًا بل "إصلاحات اقتصادية" وأنَّ انحناءه المتواصل ليس إذلالًا بل "مرونة سياسية" ، حتى أصبح الحمار يعتذرُ عن تعبه بدل أن يغضب منه، ويشكرُ من يجلده بدل أن يسأله لماذا يحمل السوط أصلًا.
وفي اقتصاد الغابة كان المشهد أكثر وقاحة من أن يُروى للأطفال، فالحمارُ الذي يزرع ويحمل ويحرث ويدفع الضرائب ويشدُّ الأحزمة على بطنه كل صباح كان يعود آخر الليل ليكتشف أنَّ سعر الماء ارتفع، وأنَّ ثمن العشب تضاعف وأنَّ الهواء نفسه صار مشروعًا استثماريًا معروضًا للخصخصة، بينما الكلبُ الذي لا ينتجُ إلا النباح كانت تصلُه الصناديق والدعم والمنح والهبات والمساعدات تحت عناوين براقة مثل "تعزيز الاستقرار" و"دعم الاعتدال" وحماية الأمن الإقليمي"، وكأنَّ الاستقرار في تلك الغابة لا يتحقق إلا حين يجوع الحمار
ويشبع الكلب.
أما اجتماعيًا فقد نجحت الضباع والثعالب نجاحًا عظيمًا في تحويل الحمار إلى مادة للسخرية الجماعية، فصاروا يضحكون على لهجته وعلى ثيابه القديمة وعلى صبره الطويل وعلى طيبته التي تشبه الغباء، ثم يعودون في اللحظة نفسها ليطالبوه بحراسة الأسوار وحده والدفاع عن الغابة وحده وتحمل نتائج الكوارث وحده وكأنَّ وظيفة الحمار في هذا الشرق المتعب أن يبقى واقفًا تحت الشمس إلى الأبد كي تنعم الكلاب بالظلّ.
وكان الأكثر سخرية أنَّ الكلب نفسه لم يكن يحسب للحمار أي حساب رغم كل ما يقدمه له، بل كان ينظر إليه باعتباره مجرد حيوان خُلق للحمل والصمت ودفع الفواتير ولذلك كلما تعب الحمار أكثر ازداد الكلب راحةً وكلما ازداد الحمار جوعًا ازداد الكلب أناقةً وكلما وقف الحمار ساعات أطول تحت الشمس تمدّد الكلب أكثر تحت المظلات الأجنبية وهو يتحدث عن "العلاقات المتوازنة" و"الاحترام المتبادل" و"الشراكة الحضارية" .
وذات مساء وقف الحمار قرب البركة ونظر طويلًا إلى صورته المرتجفة فوق الماء، ثم سأل نفسه سؤالًا صغيرًا لكنه أخطر من الحرائق والزلازل والانقلابات في تلك الغابة كلها، لماذا أقفُ أنا دائمًا تحت الشمس بينما يرثُ الكلبُ كلَّ هذا الظل.
وحين بدأت الحيوانات تسمع السؤال ارتبكت الثعالب وارتجفت الضباع وأطفأت البومات بعض الأضواء في الاستديوهات، لأنَّ المشكلة الحقيقية في تلك الغابة لم تكن يومًا في الشمس ولا في الظلّ ولا حتى في الكلاب، بل في احتمال أن يكتشف الحمار أخيرًا أنَّ ظهره كان يحمل الغابة كلها بينما الجميع يتصرف كأنَّه مجرد حيوان خُلق كي يتعب بصمت.


























