يوسف الطورة يكتب : لا نجاة في هذه المدن
نبأ الأردن -
في المدن الكاذبة، لا تدخلها ماشياً، اهرب ما استطعت، وتدثر بحروفك عن حروف التيه، فالحكمة هناك لا تقال همساً:
"كن شريداً ذا شرف، ولا تكن حقيراً ذا ترف".
كلما أقسمت الا أكتب حرفاً، حنثت بقسمي فأخذ بيدي واضرب قلمي ولا اكلم الناس ثلاثاً كفارة لذنبي، هذه المرة أعادني الرطب والتفاح والعنب مذاقاً، ورفعت كأسي لا لنفسي، بل لكل البؤساء، نشيداً يرتل لكل جياع الأرض على حواف التعب.
حائرة هذه الأرض، كأنها برزخ من خمر بين التمر والعنب، فلا العنب صار زبيباً، ولا التمر بقي رطباً، ولا جياعها وبؤساؤها شبعوا من خبزها، وموت المجان في ازدياد.
عاتب على كل القطيع الذي أسس لقانون البقاء للأقوى، وعاتب أيضاً على رغيف الخبز الذي لا يكتفي إلا لملء البطون.
فجيعتنا ليست حرفاً ناقصاً، ولا خطأً في النطق، بل أبجدية كاملة تحولت إلى رصاص تغتال العقول في فوضى الصراخ،
وصمت تختنقه الثرثرة.
في لامعقولية الواقع نعيش فوضى يعرف فيها العقل عبثه، حين تغتال الكلمة، وتقصى الفكرة عمداً، تصبح الحقيقة كـ"بقرة بني إسرائيل" كل ذنبها تذبح كل مرة لا لكشفها، بل للهروب منها.
متعبون من كل الوجوه المزيفة، من ألوانهم الباهتة، ومن ألسنة كالإسفنج تعصر صبرنا، وتنقب في صدورنا بحثاً عن ذريعة، لا تصدقوا فتاوى تكذب على الفقراء والكادحين، وتبرر لأبناء الحظوة إياهم.
حتى أولئك الذين أشاحوا بوجوههم عن الظلم، يمارسون المحرمات عندما تتهيأ الفرص، أعرفهم جيداً وهم يلقون السلام الأخير، كل تعاريفهم للوطن كاذبة، في وداعهم الأخير أُغلق عيني طوعاً، وأحدث نفسي بأوهام، وأدندن بلغة حزن تتنكر في ثياب البؤساء.
يستحضرني "المهرج"، يضحك باكياً، ويبكي مبتسماً، يطوف في أزقة مدينة متعبة يحكمها التشطير والكثير من الكذب، فكل ما حولنا لا يشبهنا وسقط علينا في لحظة سهوا منا.
في مدن اللازمان واللامكان، لنكن عبثيين إن شئنا، فالجنون حين يصدق، حرية، وأصحابه وحدهم يختارون طقوسهم دون إذن.
في هذا التيه، عندما تفهم الواقع أكثر مما يجب، يكون الحق كله معك عندما تقرر العزلة المقدسة لتنجو بنفسك، يقيناً الذين فهموه يسكنون الهامش، يتيهون في الأرض شعراء، فلاسفة، نساك، أو حتى على هيئة مجانين
في زمن العبث، إن كان ثمن العبور إلى واديهم المقدس خلع روحك على بواباتهم وترتدي روحاً لا تشبهك، فلا تعبر، الناجون قلة.


























