عبدالله محمد القضاه يكتب: الضمان الاجتماعي: ميثاق أجيال ومستقبل وطن… رؤية استراتيجية لإصلاح شامل وحوكمة رشيدة
نبأ الأردن -
يُعد الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة، وعقدًا اجتماعيًا يربط بين الأجيال، ضامنًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وحاميًا لكرامة المواطنين في مراحل حياتهم المختلفة. إنه ليس مجرد بند مالي في جداول الحسابات، بل هو تجسيد لمبدأ التكافل والتضامن الذي تبنى عليه المجتمعات المزدهرة. وفي ظل التحديات المتزايدة، سواء كانت ديموغرافية أو اقتصادية، يغدو الحفاظ على استدامة هذا الصرح الوطني أمرًا بالغ الأهمية، يتطلب رؤية استراتيجية جريئة وإصلاحًا شاملًا يراعي حقوق جميع الأطراف.
لقد أثار مشروع قانون الضمان الاجتماعي الأخير جدلاً واسعًا في الرأي العام الأردني، نظرًا لاحتوائه على تعديلات قد تُلقي بعبء كبير على شريحة واسعة من المشتركين، دون إيلاء الاهتمام الكافي لمسؤولية أصحاب العمل والحكومة. ومن منطلق خبرتي الطويلة في مؤسسة الضمان الاجتماعي، والتي تشرفت خلالها بالعمل مديرًا لإدارة الدراسات وإدارة التخطيط الاستراتيجي، أجد لزامًا عليّ تقديم هذه الورقة الإصلاحية التي تتضمن حلولًا مبتكرة تهدف إلى تحقيق استدامة المؤسسة والمحافظة على حقوق الأجيال، بعيدًا عن الحلول التقليدية التي قد تمس جوهر هذا العقد الاجتماعي.
أولاً: الجانب التأميني… نحو استدامة مالية وعدالة اجتماعية
لضمان استدامة النظام التأميني وتحقيق العدالة بين جميع المشتركين، أقترح مجموعة من التعديلات الجوهرية:
1.المشاركة الطوعية الملزمة اجتماعيًا: دعوة أصحاب الرواتب التقاعدية العالية (ممن تزيد رواتبهم عن 5,000 دينار) للمساهمة الطوعية (أو بحوافز ضريبية واجتماعية) بما لا يقل عن 20% من رواتبهم التقاعدية. هذه المبادرة تعزز مبدأ التكافل الاجتماعي وتساهم في تعزيز الاستقرار المالي للمؤسسة على المدى الطويل، مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الكلي.
2.إضافة معاملات منفعة جديدة: يتم إضافة "معامل منفعة" إضافي (1.5%) على الأجور المشمولة التي تتجاوز 3,000 دينار لغاية 4,500 دينار، مع زيادة الاشتراكات على هذه الشريحة بقيمة (1.5%) اشتراك إضافي. كما يتم إضافة عامل منفعة جديد للأجور التي تتجاوز 4,500 دينار بواقع(1.2%)، مع زيادة الاشتراكات الشهرية على هذه الشريحة بواقع نصف بالمئة يتحملها صاحب العمل ونصف بالمئة يتحملها المؤمن عليه، لتمويل الفجوة دون المساس بالقاعدة الأساسية.
3.تعديل شروط راتب التقاعد الوجوبي للجدد: أن يكون (20) سنة اشتراك، مع الإبقاء على سن تقاعد الشيخوخة (60) عامًا للذكر و(55) عامًا للأنثى، ويكون الاستمرار لما بعد ذلك لمدة (5) سنوات بشكل اختياري.
4.تعديل شروط راتب التقاعد المبكر للجدد: أن يكون (30) عامًا للذكور و(25) عامًا للإناث، شريطة إكمال (52) عامًا للإناث و(55) عامًا للذكور، ويبدأ التخفيض كما ورد في التعديل الذي سرى على المشمولين من تاريخ عام 2019.
5.تقاعد المهن الخطرة: أقترح زيادة (3) سنوات اشتراك للذكر والأنثى للمشمولين حاليًا، على أن يُطلب للمشتركين الجدد (23) عامًا للذكور و(18) عامًا للإناث، شريطة أن يكون التقاعد بعد إكمال سن (50) عامًا لكليهما. ويبدأ التخفيض بنسبة 18% للذكر وتتناقص 2% سنويًا، و12% للأنثى تتناقص 3% سنويًا. على أن يُزاد الاشتراك بنسبة نصف بالمئة يتحملها صاحب العمل.
6.ضبط آلية الاحتساب: احتساب راتب تقاعد الشيخوخة على متوسط آخر 60 اشتراكًا (وللمبكر 96 اشتراكًا) لضمان العدالة، حيث يبدأ المؤمن عليه بأجر منخفض وبعد ربع قرن يتضاعف هذا الأجر. على أن تصبح آلية الاحتساب للمشتركين الجدد متوسط الأجر في آخر (72) شهرًا لراتب الوجوبي و (120) شهرًا للمبكر.
7.تعديل معادلة احتساب راتب الاعتلال الطبيعي الكلي: بزيادة معاملين جديدين (حاليًا متوسط الأجر (36 اشتراكًا مضروبًا ب50% لأول 1500 دينار و30% لما بعد ذلك). التعديل أن يصبح 30% لما يزيد عن 1500 وحتى 3000 دينار، ويكون المعامل 20% لما يزيد عن 3000 دينار لغاية أقل من 4500 دينار، و15% لما يزيد عن ذلك. ويتم تعديل معادلة احتساب راتب العجز الطبيعي الجزئي في ضوء ذلك، فيما يُعدل ليصبح المتوسط لآخر (60) اشتراكًا للمشتركين الجدد.
8.تعديل مفهوم الأجر الخاضع للضمان: بالشكل الذي يسمح بإضافة أي دخل للمشترك من عمل خاص، أو علاوة جديدة لم تكن تشمل بالضمان، على سبيل المثال بدل الموازي الذي يُصرف لأعضاء الهيئة التدريسية بالجامعات الأردنية؛ حيث وقع ظلم عليهم بعدم احتساب هذه المكافأة.
9.استثمار العائدات ومراجعة الشركات المملوكة: إعادة توجيه نصيب أكبر من عوائد عضويات مجالس إدارة الشركات المملوكة للمؤسسة إلى ميزانية الضمان، وزيادة الشفافية في توزيعات الأرباح.
10.تقديم حلول تمويلية مبتكرة: برامج "التكافل التطوعي" للمتقاعدين ذوي الدخل المرتفع، سندات اجتماعية قصيرة الأجل موجهة للمستثمرين الوطنيين، وصناديق استثمار ميسرة للشباب لرفع العوائد بعقلانية.
11.إضافة مواد للقانون تسري على المشتركين الجدد ومنها:
–تصاعدية الاشتراكات: بحيث تبقى نسبة الاقتطاع الحالية لأول 1000 دينار، ثم تُزاد 1% على المشترك وصاحب العمل لغاية 2000 دينار، بعدها تزيد لتصبح 1% إضافي على صاحب العمل ونصف بالمئة على العامل، وبعد 3000 دينار تكون الاقتطاعات على الزيادة 2.5% و3% على الأجر الذي يزيد عن 4500دينار على الطرفين. وهكذا تكون الاقتطاعات تصاعدية على المبلغ الجديد وليس كل الأجر.
–تعديل معادلة احتساب راتب العجز الإصابي الكلي والوفاة الإصابية: حاليًا (75%) من الأجر الأخير، لتصبح 75% لغاية (1500) دينار، (60%) لما يزيد عن 1500 لغاية 3000 دينار، و50% لغاية 4500 دينار، و40% لما يزيد عن ذلك.
–تعديل علاوة الإعانة: لرواتب العجز الكلي الطبيعي والإصابي للراتب التقاعدي الذي يتجاوز 1500 دينار لتصبح 15%.
–تمديد خدمة العسكريين: لتصبح (25) سنة كحد أدنى ولعمر (50) عامًا.
–شمول غير الأردنيين: لغايات تعويض الدفعة الواحدة فقط من غير استحقاق الرواتب التقاعدية، ويمكن استثناء أبناء الأردنيات وأبناء غزة والأشقاء الفلسطينيين المقيمين في الأردن من ذلك.
–إعادة هيكلة علاوة العائلة والزيادة العامة: بتخفيضها للرواتب التي تزيد عن 1000 دينار.
–حصر نفقات الجنازة: لورثة المتوفى الذي لا يتجاوز راتبه التقاعدي 1000 دينار.
–زيادة اشتراك الأمومة: ليصبح (1%) تمهيدًا لزيادة إجازة الأمومة لتصبح 90 يومًا.
–رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية: ليصبح 220 دينارًا.
ثانيًا: حوكمة الضمان الاجتماعي… إصلاح هيكلي لا تفاوض عليه
لنواجه الواقع بوضوح لا يقبل التأويل: إن أزمة الضمان الاجتماعي في الأردن ليست نتاجًا حصريًا لتغيرات ديموغرافية، فليست زيادة متوسط الأعمار أو سن التقاعد عند الستين هي المسببات الجذرية. بل إن جوهر الأزمة يكمن في صميم الإدارة، في غياب المساءلة الفاعلة، وفي تضخم القرار الإداري على حساب الرؤية الاستثمارية المهنية. أموال الضمان ليست صندوقًا حكوميًا متاحًا للتجارب السياسية. إنها مدخرات وطنية يجب أن تُدار بمهنية تامة. لذلك، أي نقاش عن تعديلات تأمينية أو عن سن التقاعد يجب أن يسبقه إصلاح هيكلي لا تفاوض عليه، ويتضمن:
1.حوكمة مجلس إدارة المؤسسة ضمن ضوابط واضحة في تشكيله وعمله لضمان استقلالية القرار المهني وربط السلطة بالمسؤولية؛ وعلى النحو التالي:
–إعادة هيكلة مجلس الإدارة بآليات انتخاب وتعيين واضحة: يتشكل المجلس من (15) عضوًا يمثلون بالتساوي الحكومة، العمال، أصحاب العمل، على أن تكون هناك معايير معتمدة مسبقًا لشروط العضوية من حيث الكفاءة والحياد، ويتم تحديد مكافآتهم الشهرية بما لا يتجاوز (700) دينار لا غير.
–انتخاب رئيس المجلس داخليًا: بأغلبية أعضاء المجلس، ثم عرضه على الحكومة للاعتماد والتعيين بمسمى "محافظ" برتبة وزير ــ لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، وبراتب معلن. هذا الترتيب يجمع بين شرعية المجلس ومسؤولية الحكومة.
–تشكيل لجان متخصصة ونسب مستقلة: لجنة استثمار يرأسها مستقل ذو خبرة اكتوارية، ولجنة تدقيق مالي تمتلك أغلبيتها مستقلين، ولجنة حوكمة تضطلع بمراجعة تضارب المصالح.
–تبسيط إجراءات المؤسسة وخفض النفقات الإدارية: هيكلة تقلص حجم الإدارة مع الاحتفاظ بمبنى إدارة رئيسي وتأجير المكاتب الفائضة، والسعي لتخفيض النفقات الإدارية بنسبة 50%على الأقل.
2.دمج صندوق الاستثمار داخل المؤسسة؛ لماذا وكيف؟ فصل الأدوار بين "الوصي” و”المدير” مطلوب، لكن فصل الأصول عن الحوكمة الأساسية للمؤسسة يفتح ثغرات تضارب مصالح. وعليه يتم دمج صندوق الاستثمار ضمن هيكل المؤسسة مع فصل وظيفي صارم: يتضمن (أ) مجلس مستقل للاستراتيجية الاستثمارية يصدر السياسة الاستثمارية ويفرض حدودًا للمخاطر؛ (ب) وحدة إدارة استثمار مؤسسية محترفة تدير الأصول يوميًا، مع إمكانية تفويض أجزاء من الإدارة لمديرين ماليين خارجيين عبر عقود خاضعة لمناقصات شفافة، وحظر المعاملات مع الأطراف ذات الصلة إلا بموافقة لجنة مستقلة وإفصاح علني. على أن يتم دمج الوحدات المساندة والداعمة ضمن مثيلاتها في المؤسسة، وإعادة النظر في الرواتب بما يماثل البنك المركزي.
3.تطبيق شفافية ومساءلة قابلة للقياس؛ تتضمن:
–لوحة معلومات إلكترونية عامة (dashboard) تعرض التوزيع الأصولي، العوائد الصافية، الرسوم، ومؤشرات الأداء.
–نشر تقرير اكتواري مبسط للرأي العام وسيناريوهات تمويلية حتى 2050 قبل أي تعديل تشريعي.
–ربط مكافآت ومزايا أعضاء الإدارة وقيادات الاستثمار بـ KPIs منشورة.
4.تطبيق آليات حماية قبل أي تعديل تأميني، ومن ذلك:
–تدقيق استثماري مستقل مُعلن عن نتائج آخر 10 سنوات.
–آلية انتقالية تحمي حقوق المشتركين الحاليين وفقا لما أقترح أعلاه.
–سقف قانوني مؤقت للمصاريف الإدارية وإجراءات لخفضها (تأجير مبانٍ غير مستخدمة، دمج وحدات …الخ).
5.تطبيق إجراءات تنظيمية إضافية لتعزيز الثقة، ومن ذلك:
–تشريع يجرّم تضارب المصالح ويضع عقوبات إدارية ومالية.
–حماية قانونية للمبلغين (whistleblowers )عن سوء إدارة أو تلاعب.
–نشر نتائج المناقصات والاتفاقيات الاستثمارية كاملة.
–لجنة رقابة اكتوارية مستقلة تقدم تقاريرها دوريًا للبرلمان والرأي العام.
6.تطبيق سلسلة إجراءات قبل أي تعديلات تأمينية: قبل طرح أي تغييرات على قانون الضمان أو معاملات المنفعة أو سن التقاعد يجب تنفيذ حزمة إصلاحية سابقة تحمي الحقوق وتؤسس للعدالة:
أولاً: تدقيق استثماري مستقل وشفاف، يُنشر للعلن، بهدف تحقيق الشفافية المطلقة وتقييم الأداء الفعلي لأموال الضمان.
ثانيًا: ربط عضوية مجلس الإدارة بمؤشرات أداء محددة وقابلة للقياس، لإنهاء مفهوم العضويات القائمة على المكافآت وربطها بالنتائج الملموسة.
ثالثًا: وضع سقف ملزم للمصاريف الإدارية، لضبط الإنفاق وضمان كفاءة التشغيل.
رابعًا: إقرار تعديل تشريعي يجرّم تضارب المصالح في إدارة أموال الضمان، لحماية أموال المشتركين من أي استغلال أو تلاعب.
خامسًا: تشكيل لجنة رقابة برلمانية متخصصة ودائمة لأموال الضمان، لضمان استمرارية الرقابة والمساءلة على أعلى المستويات.
الضمان الاجتماعي هو عقد ثقة بين الدولة وأجيالها؛ وليس بندًا ماليًا في جدول حسابات. وإذا اهتزت هذه الثقة، فلن تعيدها زيادة في سنوات العمل ولا ارتفاع في الاشتراكات. ما يعيدها هو الحوكمة الصارمة، والمساءلة العلنية، وتحمل المسؤولية بلا مواربة. وقبل أن يُطلب من أي أردني أن يعمل سنوات إضافية، فلنسأل أولًا: هل أُديرت أمواله بأفضل ما يمكن؟ إما أن نصلح الإدارة… أو سنظل نرحّل الأزمة من جيل إلى جيل، وندفع الثمن غاليًا من مستقبل الوطن.
*خبير تأمينات اجتماعية وتطوير مؤسسي/ أمين عام سابق
























