وصفي الصفدي يكتب: الضمان الاجتماعي بين الاستدامة والعدالة: نحو إصلاح متوازن يحمي الأجيال ويصون الأمن المجتمعي

وصفي الصفدي يكتب: الضمان الاجتماعي بين الاستدامة والعدالة: نحو إصلاح متوازن يحمي الأجيال ويصون الأمن المجتمعي
نبأ الأردن -
في المقال السابق ناقشنا أبعاد التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، وأشرنا إلى أن أي إصلاح لا ينطلق من رؤية شمولية قد يتحول من أداة حماية إلى مصدر قلق اجتماعي واقتصادي. واليوم، ومع تعمق النقاش العام واتساع دائرة الأسئلة، يصبح من الضروري الانتقال من النقد إلى بناء تصور متكامل، يستند إلى التجارب الدولية ويضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات ظرفية.
الضمان الاجتماعي ليس صندوقاً مالياً فحسب، بل هو عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن. وعندما يشكل الشباب نحو خمسين في المائة من السكان، فإن أي خلل في هذا العقد لا ينعكس على الحاضر فقط، بل يمتد أثره إلى عقود قادمة.
أولاً: الواقع الديموغرافي وسوق العمل
الأردن يمر بمرحلة انتقال ديموغرافي دقيقة. قاعدة سكانية شابة واسعة، ومعدلات بطالة مرتفعة، وسوق عمل لا يستوعب الداخلين الجدد بالسرعة الكافية. هذا الواقع يعني أن عدد المشتركين المحتملين في النظام يمكن أن يرتفع بشكل كبير إذا ما توفرت فرص العمل، لكنه في الوقت ذاته يشكل ضغطاً إذا استمر ضعف التشغيل واتساع الاقتصاد غير المنظم.
في العديد من الدول التي واجهت ظروفاً مشابهة، مثل تركيا والمغرب وماليزيا، لم يقتصر الإصلاح على تعديل سن التقاعد أو نسب الاشتراكات، بل ربطت إصلاحات الضمان بسياسات تشغيلية نشطة، وتحفيز رسمي للانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الرسمي، وتوسيع قاعدة الاشتراك بدلاً من تقليص المنافع.
أما الاقتصار على أدوات مالية داخل الصندوق دون معالجة سوق العمل، فيؤدي غالباً إلى حل قصير الأمد يعمق الاختلالات على المدى الطويل.
ثانياً: مواطن الضعف في المقاربات التقليدية للإصلاح
عند مقارنة مسارات الإصلاح العالمية، تتكرر مجموعة من الثغرات التي يجب التنبه لها:
1.التركيز على ضبط النفقات عبر تقليص المنافع أو تشديد شروط الاستحقاق دون معالجة مصادر الإيرادات الهيكلية.
2.غياب الربط المنهجي بين المعاشات ومؤشرات التضخم، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمتقاعدين.
3.ضعف إدماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وهو تحدٍ أساسي في الاقتصادات النامية.
4.غياب أدوات اكتوارية ديناميكية تأخذ في الاعتبار التحولات السكانية طويلة الأمد.
5.قصور في الحوكمة والشفافية، بما يضعف الثقة العامة ويؤثر على الالتزام الطوعي بالاشتراك.
التجربة الألمانية على سبيل المثال اعتمدت مبدأ "الاستدامة المزدوجة” الذي يوازن بين قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته وبين حماية مستوى المعيشة للمتقاعدين. وفي السويد، تم إدخال نظام نقاط يربط المنافع بالأداء الاقتصادي والديموغرافي بشكل آلي، ما يقلل من الصدمات السياسية ويعزز الشفافية.
ثالثاً: التحدي الديموغرافي والأجيال القادمة
إذا استمر النمو السكاني دون مواءمة حقيقية مع فرص العمل، فإننا سنواجه ثلاث معضلات متداخلة:
1.ارتفاع البطالة بين الشباب، ما يقلل من عدد المشتركين الفعليين.
2.زيادة الاعتماد الأسري على معاشات كبار السن كمصدر دخل رئيسي.
3.اتساع الفجوة بين الأجيال، حيث تتحمل الفئات العاملة أعباء تمويل متزايدة.
دول شرق آسيا واجهت هذه المعضلة مبكراً عبر الاستثمار المكثف في التعليم المهني، وتحفيز الصناعات التصديرية كثيفة العمالة، وربط التأمينات الاجتماعية بسياسات إنتاجية لا ريعية. النتيجة كانت تحويل الفائض السكاني الشاب إلى قوة إنتاجية داعمة للنظام، بدلاً من أن يكون عبئاً عليه.
رابعاً: الإجراءات المطلوبة لضمان حياة كريمة دون المساس بالأمن المجتمعي
حماية المشتركين والمتقاعدين لا تتحقق عبر وعود عامة، بل من خلال سياسات عملية متكاملة، أبرزها:
1.حماية الحقوق المكتسبة بشكل صريح وقاطع، وضمان عدم المساس بالمزايا التراكمية.
2.ربط المعاشات بمؤشر تضخم معتمد يضمن استقرار القوة الشرائية.
3.توسيع قاعدة الاشتراك عبر آليات مرنة للعاملين لحسابهم الخاص والاقتصاد غير المنظم.
4.ربط تأمين التعطل ببرامج تدريب وإعادة تأهيل حقيقية تتماشى مع احتياجات السوق.
5.تعزيز استقلالية القرار الاستثماري للصندوق ضمن إطار حوكمة صارم وشفاف.
6.إنشاء آلية مراجعة اكتوارية دورية علنية كل ثلاث سنوات، مع نشر نتائجها للرأي العام.
هذه الإجراءات لا تمثل عبئاً مالياً إذا ما نُفذت ضمن رؤية اقتصادية أوسع تعزز النمو والتشغيل، بل تشكل استثماراً في الاستقرار المجتمعي.
خامساً: الأمن المجتمعي كمرتكز للإصلاح
الضمان الاجتماعي هو أحد أعمدة الأمن المجتمعي. أي إصلاح يؤدي إلى شعور بعدم الأمان أو فقدان الثقة، ينعكس فوراً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، يجب أن تكون فلسفة الإصلاح قائمة على التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
في كندا وأستراليا، تم إشراك النقابات وأصحاب العمل والخبراء المستقلين في صياغة الإصلاحات، مما عزز القبول المجتمعي وخفف من التوترات. المشاركة الواسعة ليست رفاهية، بل ضرورة لضمان نجاح أي تعديل.

سادسا: قراءة في الدراسة الاكتوارية الأخيرة وأهم نقاط ضعفها
الدراسة الاكتوارية الأخيرة تمثل مرجعية أساسية في تقييم استدامة النظام، وهي بطبيعتها تستند إلى فرضيات طويلة الأمد تتعلق بالنمو الاقتصادي، معدلات الأجور، الخصوبة، العمر المتوقع، والعائد الاستثماري. غير أن القراءة التحليلية المتعمقة تكشف عدداً من النقاط التي تستحق التوقف عندها:
1.ألاعتماد الكبير على فرضيات نمو اقتصادي معتدل ومستقر على مدى عقود قادمة، دون تضمين سيناريوهات صدمة اقتصادية حادة أو تباطؤ طويل الأمد. التجارب الدولية، خاصة بعد الأزمات المالية العالمية وجائحة كورونا، أثبتت أن الأنظمة التي لا تختبر قدرتها على الصمود في سيناريوهات سلبية متعددة تكون أكثر عرضة للمخاطر غير المتوقعة.
2.الافتراض الضمني باستقرار نسبي في معدلات البطالة والمشاركة الاقتصادية، في حين أن الواقع المحلي يشير إلى بطالة شبابية مرتفعة وهيكل سوق عمل يعاني من اختلالات مزمنة. أي انحراف بسيط في هذه الفرضيات ينعكس مباشرة على حجم الاشتراكات المتوقعة وعلى التدفقات النقدية للصندوق.
3.محدودية دمج الاقتصاد غير المنظم في نماذج التوقع. في بيئة يكون فيها جزء معتبر من العمالة خارج المظلة الرسمية، فإن تجاهل هذه الفئة أو افتراض إدماجها التدريجي دون أدوات عملية واضحة قد يؤدي إلى مبالغة في تقدير قاعدة المشتركين المستقبلية.
4.حساسية النتائج لمعدل العائد الاستثماري. الدراسات الاكتوارية عالمياً تظهر أن تغيراً طفيفاً في معدل العائد المفترض على استثمارات الصندوق يمكن أن يغير بشكل جذري مؤشرات الاستدامة بعيدة المدى. في حال لم يتم اختبار سيناريوهات عائد منخفض لفترات ممتدة، فإن تقديرات الملاءة قد تكون متفائلة أكثر من اللازم.
5.ضعف الربط الصريح بين التغيرات الديموغرافية طويلة الأمد والتزامات المعاشات المستقبلية. في بلد يشهد تحولات في التركيبة العمرية، فإن أي زيادة في متوسط العمر المتوقع دون تعديل تلقائي في معادلات المنافع قد ترفع الالتزامات الفعلية إلى مستويات أعلى من المتوقعة.
6.محدودية عرض مؤشرات العدالة بين الأجيال. الأنظمة الحديثة في دول مثل السويد وألمانيا تنشر مؤشرات تقيس توزيع العبء بين الأجيال الحالية والقادمة، ما يعزز الشفافية. غياب هذا البعد في العرض العام للدراسة يقلل من وضوح الصورة للمواطن وصانع القرار.
هذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية الدراسة، لكنها تؤكد أن أي قراءة إصلاحية يجب أن تتعامل معها كنقطة انطلاق قابلة للمراجعة والتحديث المستمر، لا كوثيقة نهائية مغلقة.
سابعاً: الخلاصة والرؤية المستقبلية
يقف الأردن اليوم عند منعطف حاسم؛ فمجتمع يشكل الشباب نصفه، ونظام ضمان اجتماعي يُعد خط الدفاع الأول في مواجهة الفقر والعوز، لا يحتملان حلولاً جزئية أو معالجات مؤقتة. الاكتفاء بإجراءات محدودة قد يؤجل المشكلة، لكنه حتماً يضاعف كلفتها الاقتصادية والاجتماعية على الأجيال القادمة.

الخيار البديل يتمثل في تبني إصلاح شامل ومتكامل يرتكز على تنمية حقيقية لسوق العمل، وتوسيع مظلة الشمول التأميني، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وصون الحقوق المكتسبة، والاستثمار الجاد في رأس المال البشري. عندها فقط يمكن أن يتحول الضمان الاجتماعي من مجرد صندوق تعويضات إلى رافعة تنموية تدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

المسألة لا تقتصر على توازنات مالية أو معادلات اكتوارية، بل تتصل بجوهر الكرامة الإنسانية والاستقرار الوطني ومستقبل الأجيال. إصلاح الضمان الاجتماعي يجب أن يخدم الصالح العام، ويحمي الأسر في حاضرها، ويصون حقوقها في مستقبلها، ويؤسس لاقتصاد قادر على الصمود أمام التحولات السكانية والتقلبات الاقتصادية المتسارعة.

الرهان الحقيقي لا يكمن في تعديل مادة قانونية أو إعادة صياغة نص تشريعي، بل في بناء منظومة متوازنة تمنح الشباب أملاً واقعياً، وتوفر للمتقاعد طمأنينة مستحقة، وتكرس للمجتمع استقراراً مستداماً.

إن الضمان الاجتماعي في الأردن يقف عند نقطة مفصلية. فالدراسة الاكتوارية الأخيرة تمثل أداة تقييم مهمة، لكنها لا تغني عن رؤية إصلاحية شاملة تراعي التحولات الديموغرافية، وتستجيب لواقع سوق العمل، وتضمن عدالة توزيع الأعباء بين الأجيال.

الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بخفض المنافع أو زيادة الاشتراكات بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، بل بإعادة تصميم متوازن للنظام، يحافظ على قدرته في حماية المشترك اليوم، وصون حق المتقاعد غداً، وتأمين مستقبل كريم لشباب يشكلون عماد المجتمع.

في جوهر القضية، الأمر لا يتعلق بالأرقام وحدها، بل بالثقة والعدالة والاستقرار. ومن هذا الإدراك تبدأ مسيرة الإصلاح الحقيقي.



تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions