د. وليد العريض يكتب:كيف تُدار الحروب بالتصريحات قبل الصواريخ
نبأ الأردن -
في عالم اليوم، لم تعد الحروب تبدأ بصوت المدفع.
تبدأ بصوت الميكروفون.
بيانٌ أول.
تصريحٌ عاجل.
مصدرٌ مطّلع.
تسريبٌ محسوب.
وقبل أن تسقط أول قذيفة تكون الأسواق قد اهتزّت وأسعار النفط قد ارتفعت ووسائل الإعلام قد أعلنت الحرب ثلاث مرات… ثم تراجعت عنها مرتين.
الحرب الحديثة لا تُعلن فجأة.
تُختبر أولًا على شاشات التلفاز.
حين ترتفع الطائرات في القواعد العسكرية، لا يعني ذلك أن الحرب قررت الإقلاع.
غالبًا ما يكون الإقلاع سياسيًا لا عسكريًا.
تُحرّك أمريكا حاملات الطائرات
فتردّ إيران بتحريك الخطاب.
تُرفع الجاهزية،
فتُرفع النبرة.
وتبدأ لعبة أعصاب يعرف فيها الجميع أن الضغط أحيانًا أقوى من الضربة.
فالضربة مكلفة.
أما التهديد… فمجاني تقريبًا.
السياسة لا تسأل: هل نستطيع الحرب؟
بل تسأل: هل نحتاجها فعلًا؟
حرب شاملة تعني اقتصادًا مضطربًا،
أسواقًا مذعورة
وخرائط قد لا تعود كما كانت.
أما التلويح بالحرب
فهو أداة تفاوض فعّالة.
تضع الخصم تحت الضغط
من دون أن تدخل أنت في مغامرة غير محسوبة.
وهكذا تتحول القواعد العسكرية إلى خلفية مسرحية
ويصبح المؤتمر الصحفي هو ساحة المعركة الأولى.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في البيان،
بل في سوء الفهم.
صاروخ يطلقه وكيلٌ إقليمي بحساباته الخاصة.
سفينة تقترب أكثر مما ينبغي.
تصريحٌ يُفسَّر كتهديد مباشر.
الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرارٍ مكتوب.
أحيانًا تبدأ بخطأ صغير…
ثم يتكفل الكبرياء بتضخيمه.
وهنا تدخل فلسطين المشهد… لا كطرف مباشر في القرار، بل كأكثر الساحات حساسية لأي اهتزاز إقليمي.
فكلما ارتفعت حرارة المواجهة بين واشنطن وطهران، تتحول غزة والضفة والحدود الشمالية إلى مساحات توتر محتملة.
ليس لأن فلسطين هي سبب الصراع، بل لأنها دائمًا أول من يتلقى ارتداداته.
إسرائيل تراقب بقلق،
الفصائل تراقب بحذر
والشعب الفلسطيني يعرف أن أي خلل في الحسابات الكبرى قد يُترجم ميدانيًا في لحظة.
السياسة الإقليمية تُدار فوق الخرائط،
لكن آثارها تُكتب على الأرض.
حتى الآن، لا توجد تعبئة شعبية واسعة.
لا خطاب رسمي يُهيّئ الرأي العام لحرب طويلة.
لا إعلان تعبئة عامة.
هناك فقط ضغطٌ متبادل،
ورسائلُ تحذير
واستعراضُ قوةٍ محسوب.
هذا ليس إعلان حرب.
إنه اختبار حدود.
الولايات المتحدة لا تريد حربًا مفتوحة تُربك الداخل وتُربك الاقتصاد.
وإيران لا تريد مواجهة مباشرة قد تستنزفها عسكريًا واستراتيجيًا.
والعالم لا يحتمل صدمة طاقة جديدة.
لكن الجميع يريد أن يبدو قويًا.
وهنا تكمن المفارقة:
أن أخطر لحظات السياسة ليست حين يقرر أحدهم الحرب،
بل حين يخشى أن يبدو مترددًا.
حتى نهاية الأسبوع، الأرجح أن تبقى الحرب احتمالًا في العناوين، لا في الواقع.
سيستمر رفع السقف
وستستمر التصريحات
وستبقى الطائرات في المدار السياسي أكثر منها في المدار القتالي.
الحروب في هذا الزمن تُدار بالكلمات أولًا.
وإذا فشلت الكلمات…
تُستدعى الصواريخ كحلٍّ أخير، لا كخيارٍ أول.
أما الآن
فنحن في مرحلة الحرب الكلامية.
والكلام رغم ضجيجه
أرخص من الدم.

























