عبدالهادي راجي المجالي يكتب : نوستالجيا

{title}
نبأ الأردن -
تقدم قناة عمان تي في ، برنامجا اسمه (نوستالجيا) ، وتدفع ربما مبالغ باهظة لترويجه عبر وسائل التواصل الإجتماعي ، القناة مقدرة ومحترمة وما سأكتبه لايقع في إطار المس بجهد العاملين فيها – لاقدر الله - ..بل هي ملاحظات (طفران) ليس إلا ..

في هذا البرنامج يتم استضافة (المليونيرية) والحديث عن قصص بناء الثروة ، وقصص المال وتوسيع العمل ...في كل الحلقات التي حضرتها مع (المليونيرية) ..كلهم ضغط عليهم (البابا) ، وحدد مصاريفهم ...ويتحدثون بألم شديد حين يخبرونك بأن ( البابا) أصر على أن يدخلهم في سويسرا أو بريطانيا إلى مدارس داخلية ، حتى يعرفوا أن الثروة والمال تحتاج لجهد ...أحدهم كنت أشعر من حديثه أنه إذا عطس يخرج من أنفه (كافيار) ، في ذات الوقت كنت أشعر أنه سيبكي كثيرا لأن (البابا) ترك له هذه الملايين من أجل إدارتها ، وكيف أنه تعب كثيرا ولم يستطع في البداية أن يترك وقتا لأولاده .

والمهم هو أن المذيعة تتعاطف مع حجم الألم ، وتسهب في السؤال ...
(مليونيرية الأردن) ..أبكوني كثيرا عبر هذا البرنامج ، وقصص كفاحهم (دمرتني) ...ذات يوم سمعت أحدهم كيف تحدث عن والده ، حين أراد شراء ساعة ربما ..وكيف قال له (البابا) : بدك تتعب حتى تحصل عليها ..كنت اتمنى أن أخبره كيف قام (البابا) وأقصد (ابوي) ..ذات مرة بجعلي أحمل خزان ماء فارغ وحدي ، وأقوم برفعه للسطح ..

ثمة جملة تتكرر أيضا في حديثهم وهي : ( ئبل ما ايموت البابا ئلي) ...وطبعا الوصية تكون مرتبطة بالعائلة ، ومرتبطة بالعمال الذين يعملون في المصانع ...
حسنا ..
صورة الأردن التي علمونا اياها في المناهج والإعلام وخطاب الدولة هي : المنجل والبندقية والكفاح .....صورة الأردن هي العسكر الذين حموا الشوارع في أيلول وأمنوا الدولة والسيادة ، ولولا العسكر ..لما كانت هذه المصانع سترتفع ولما استطاع (البابا) إرسال الأخ لسويسرا ، صورة الأردن التي خاطبتنا فيها الدولة ..وجعلتنا نحفظها ونكتبها على الصدر وفي ثنايا القلب هي ( خو) ..كانت أكبر مصنع في الأردن للجباه السمر وللزنود وللتربية ...في (خو) لم يكن هناك (بابا) كان هناك مدرب مشاة إسمه : عبدالفتاح ....ومدرب رماية اسمه (صقر) ...وامر مدرسة مشاة ، حين يمشي في الميدان ، حتى الشجر يؤدي له التحية .

صورة الأردن التي رسموها لنا في الذهن .. هي المداهمة التي نفذت في الرمثا ، وكيف وقف الشعب هناك على أرصفة المدينة يصفق للعسكر ...صورة الأردن الصابر العظيم هي الجنوب الأغر ، هي مخيم الوحدات الذي يحول الشقاء إلى رضى ..هي البادية التي قدمت للوطن أفضل الأطباء وأمهر المهندسين ...صورة الأردن التي علينا صياغتها من جديد وعبر دعوة ولي العهد لكتابة السردية ...هي إنصاف العشيرة النواة الأولى للدولة ، ورمح النظام ..وسيف الزمن والأمة وفلسطين .

هل هذا هو الخطاب الإعلامي الذي نريده في لحظة مفصلية من حياتنا ؟ ...خطاب إرسال البابا للفتى إلى لندن ، وخطاب الكنب الفاخر من إيطاليا ، والستائر السويسرية والحدائق الغناء في الفلل الفاخرة التي صور فيها البرنامج ؟

العالم كله يسير باتجاه اليمين باتجاه الخصوصية الوطنية ، باتجاه الهوية ، باتجاه الحفاظ على القيم والموروثات والعادات ..ونحن للأسف دولة لم تعد تقرأ التاريخ وحركة الشعوب ، ونسير بمعزل عن المحيط ...

لاحظوا :عدونا الأول ( إسرائيل) ..عادت إلى اليمين الديني المتطرف ، إلى اليهودية ، إلى الصهيونية الراديكالية العفنة ... ومسحت إرث رابين والعلمانية .
إيران بالرغم من كل ما حدث معها ، مازالت تمثل النظام اليميني الديني ..إيران عادت صفوية بالسلوك والمظهر والحركة ..

أمريكا ذاتها نجح فيها ترامب ، على قاعدة يمينية ..فهو ( أنجلوساكسوني) متعصب ..يرفض الهجرة ، يقوم بطرد الأقليات ، يؤيد حمل السلاح ، يشتم عمدة لندن على قاعدة العرق والدين ، يشتم عمدة نيويورك أيضا لأنه مسلم ...منع الشذوذ ووجد العدالة والكرامة الإجتماعية في أن تكون أمريكا أولا وطز في الجميع..

تركيا هي الأخرى عادت لعهد السلاطين وللهوية العثمانية ...
كل شعوب العالم تسير باتجاه اليمين ، اليسار سقط تماما ...والليبرالية هي الأخرى انكمشت ، حتى فرنسا وريثة جان بول سارتر ، هي الأخرى صار فيها تيارات يمينية متطرفة انقلبت على جان بول سارتر وعلى قيم الثورة الفرنسية ذاتها في الحرية والعدالة والمساواة ...وصار هدفهم طرد المهاجرين .

هل يقرأ الإعلام لدينا اليمين وكيف يجتاح العالم ، اليمين بكل أشكاله الدينية والوطنية والعرقية ..وحتى الراديكالية .

وللأسف نحن ما زلنا نقرأ العالم بلغة (البابا) ، وكم جنى المصنع من أموال ، وكم أمضى (مليونيرنا) العتيد في سويسرا حتى ينهي تعليمه .

أحزن على كارل ماركس ، لو أنه عاش زمننا وقرأ واقعنا لقام بإلغاء نظرية صراع الطبقات تماما ، وأسس نظرية جديدة اسمها (البابا) ...

للعلم نحن نعرف الثروات وكيف أنتجت في الأردن ، نعرف أنها إما أنتجت في أغلبها عبر ثورة العقار ، أو عبر التحالف مع بيروقراط الدولة ، أو عبر مجتمعات البنوك ، أو عبر (الكوميشن الرسمي) ..ومؤخرا حين أدركت الدولة أن القطاع الخاص في الأردن مجرد حالة هلامية ضخمت نفسها كثيرا ، لجأت للإستثمار الخارجي ..وعملية جلبه ، حتى تشكل قطاعا خاصا يكون رديفا للدولة .

في إعلامنا نحتاج إلى انعاطفة للداخل ، نحتاج للهوية ، للموروث لصياغة التاريخ كما يجب ..في النهاية من يملك (100) مليون إذا حدثت هزة في البلد ، فسيجد في سويسرا مستقرا ، لكن من يملك بيتا بسيطا في حرثا أو فقوع أو المريغة، ويملك أحلاما بسيطة ..سيقف عند جدار البيت ويدافع عن وطن أثقلت النكبات أكتافه .

أقدر مذيعة القناة الزميلة الرائعة رهف صوالحه ، أقدر أيضا مالك القناة السيد زيد جمعه ، وأنا مؤمن أن هذه المحطة قدمت إعلاما ملتزما ومتطورا ..ولكن في النهاية علينا أن نقرأ واقعنا ومشهد العالم ، علينا أن نقدم ما يريده الشارع ..وليس ما تريده الأرصدة أو الدولارات ...
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير