فصل من ديوان «مقاوم خاص».. المطرُ الَّذي يُصلِّي على خِيَامِ البَرْد
نبأ الأردن -
بقلم د. وليد العريض
...
المطر… بين نشوة المدن ووجع الخيام
يا ربّ…
يسقط المطر على مدننا كترتيلٍ سماويّ،
نفتحه كنافذةٍ على الدفء،
ونتلقّاه كغناءٍ يُبهج الأرواح.
لكنّه…
حين يصل إلى الخيام
يُغيّر لغتَه.
هناك لا يصبح غيمًا يُغنّي،
بل غيمًا يختبر صبرَ البشر،
ويعيد امتحانَهم تحت سقفٍ من قماش
لا يعرف غير الانحناء.
المطرُ في البيوت
احتفالٌ،
وفي المخيّم
ابتلاءٌ ينام فوق الصدور
كأنّه قدرٌ من البرد نزل قبل أوانه.
ويا لهيبة هذا القدر…
كم يشبه سيفًا يهبط على مهد طفل،
وكم يشبه صُراخًا مكتومًا
في قلب أرملةٍ
لم تعد تملك إلا أن تضمّ أطفالها
كأنّها تضمّ حياتها كلّها.
(1) المطر الذي يُبهج المدن
في مدننا…
حين يأتي المطر،
نُشعل قهوتنا،
نفتح كتابًا،
ونستمع لطرقاته على الزجاج
كأننا نستمع إلى روحٍ تهبط من السماء.
نقول: هلا بالحياة! هلا بالخصب! هلا بالنقاء!
ولا نعلم أنّه في المكان الآخر
لا يهطل بالمعنى نفسه
ولا بالرحمة نفسها.
هناك…
يصبح المطر امتحانًا للضعفاء،
وساعةً من خوف
تستيقظ فيها كلُّ الذاكرات.
(2) المطر حين يقسو على الخيام
في المخيّم…
لا نوافذ تُغسل،
ولا أراضٍ تتعانق معها القطرات،
بل أغطية رثّة
تتهدّل كأنها بقايا عمر
لا يقوى على الصمود.
الأمهات يخفين حذاء الطفل
حتى لا يسحبه الطين،
والصغار يتكوّرون حول قطعة قطن
ظنّوها حضنًا…
فلم يجدوا غير القشعريرة.
يا ربّ…
لماذا يتحوّل المطر إلى خصم
حين يسقط فوق الفقراء؟
ولماذا يختبرهم
بما لا نحتمله نحن
ولو لساعةٍ واحدة؟
(3) بين مطرٍ يُغنّي… ومطرٍ يبكي
يا مطرُ—
يا صلاة السماء على الأرض،
لِمَ تُصيب الوجوهَ بالرهبة
حين تنزل فوق خيمةٍ
تعبت من التجدّد؟
يا مطرُ—
إن كنتَ في المدن غناءً،
ففي المخيم
أنت بكاءٌ متواصل
من قلب الأرض.
هنا تُشعل أرواحنا،
وهناك تُطفئ أكتافًا
لم تعد تقوى على حمل الجوع.
(4) نداء إلى السماء…
يا الله…
إن كان نزول المطر عندنا فرحًا
فاجعله على الخيام ستارًا،
وارفع عنهم ما لا يقوى عليه جلد طفل،
ولا كتف أم،
ولا حلم شيخٍ ينتظرُ صمتَ الليل.
يا ربّ…
أرسل لهم ملاكًا يسبق القطرات
يُسدّد ثقوب السقف،
ويحمل دفئًا على أطراف الريح،
ويمسح خوفَ الممرات الضيقة
حين تغمرها المياه.
واجعل لكل يدٍ ترتجف بردًا
حطبًا من رحمتك،
ولكل صدرٍ يئن
نسمةً تُعيد إليه القدرة على الصبر.
...
دعائي – في ظلِّ مطرٍ لا يرحم
يا ربّ…
يا واسعَ الرحمة،
يا قريبًا من المنكسرين،
ويا ساترًا للفقراء حين يطول عليهم الليل:
اجعل هذا المطر
سترًا على من لا سترَ لهم،
ودفئًا على من لا دفءَ في خيامهم،
وحمايةً لمن ينامون على خوف.
اللهم…
كُن لهم ولا تكُن عليهم،
وكن سلاحهم إذا بردت الدنيا،
وكن جدارهم إذا سقط القماش،
وكن نورهم إذا أظلمت الأودية.
اللهم…
إن كانوا بلا وطن،
فكن أنت الوطن.
وإن كانوا بلا سقف،
فكن أنت السقف.
وإن كانوا بلا أحد،
فكن أنت الأحد
الذي لا يخذل عبادَه أبدًا.
آمين…
آمين…
يا ربَّ العالمين.























