د. وليد العريض يكتب:الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء (34)
نبأ الأردن -
لم تستيقظ الغابةُ في ذلك الصباح،
كانت كائناتها تتحرك بكسلٍ يشبه الحزن
وبدا أن العشب نفسه يتثاءب كمن فقد رغبة النمو.
الضوء كان باهتًا كوجهٍ لا يريد قول الحقيقة
والهواءُ خفيفًا كأن الغابةَ تنفّست طوال الليل خوفًا وانقطع عنها النفس.
في وسط هذا الضباب،
علت طبولُ القرود تعلن عن حدثٍ تاريخي جديد:
الثعالبُ تُنشئ محكمة العواء العليا
المؤسسة التي قيل إنّها ستضمن العدل والنظام
لكنّ الحيوانات قرأت في عيون بعضها شيئًا آخر:
كانت المحكمةُ أشبه ببابٍ جديد يُفتح على ظلمٍ قديم.
محكمةٌ بصوت الذهب… لا صوت الحق
اصطفّ القضاة الثلاثة فوق منصةٍ صُنعت من جذوعٍ
اقتُلعت ليلًا من بيوت النمل الفقير.
المحكمةُ نفسها كانت مبنيّةً على جثة شجرةٍ عجوز
طالما ظلّلت الغابة من حرّ الفتن.
لم يشعر أحدٌ بالخجل،
فقط البومُ—منفى الحكمة—رفرفت بعيدًا كي لا تصرخ.
وقف كبير الثعالب
يمسح شاربيه بشيءٍ يشبه الذهب
وقال بلهجةٍ مسمومةٍ بالسكينة:
من اليوم…
كلّ سؤالٍ عن العدالة هو مسٌّ بقدسية العواء
وكلّ اعتراضٍ على الولاء هو تشكيكٌ في الطهارة الوطنية للغابة.
صفّقت الحميرُ بعفويةٍ منقطعة النظير
وصرخت القرود:
هذا يومُ الإنصاف!
بينما حملت الذئابُ نظرات قلقٍ
كأنها ترى الصيد يتحول إلى ذنبٍ
والوفاء إلى جريمة.
القنفذ… أول ضحية للقانون الجديد
أحضرت الثعالب أوّل مُتهم:
كان القنفذ
الكائن الذي حمل أسرار الغابة في ظهره
وعاش أمينًا عليها منذ ولادته.
اقتادوه لأنّه،كما قالت التهمة
لم يصفّق في الاحتفال الأخير.
تقدّم القنفذ بخطى صغيرة
وقالت أشواكه المرتجفة أكثر مما قال لسانه:
يا سادة الغابة…
أنا لا أعرف كيف أصفّق.
هذه خلقتي.
ضحك القضاةُ الثلاثة طويلاً
حتى كادت الذيولُ تُصفّق وحدها
ثم تشاوروا لحظاتٍ
كأنهم ينتظرون إشارةً غير مرئية
وأصدروا الحكم بجفافٍ قاتل:
يُنفى القنفذُ لأنه لم يُؤدِّ واجب الطاعة.
صفّقت الحميرُ فرحًا
وتنافسَت القرودُ لمن ينشر الحكم أسرع،
بينما هزّت الذئابُ رؤوسها
كمن يرى السمّ يُصبّ في بئر الماء.
سؤالٌ سقط من شجرة
تحت الشجرة التي وقف عندها القنفذ
سقطت ورقةٌ صفراء
وقالت بوضوحٍ أكثر من أي مخلوق:
أيّ عدلٍ يطرد الأمين
ويُبقي على الذيول؟
أيّ غابةٍ هذه التي تُجرَّم فيها الفطرة؟
لم يُجب أحد…
فالأسئلةُ باتت ممنوعة.
الغراب… مؤرّخ الغابة الأخير
في المساء
عاد الغراب إلى الشجرة المحترقة
التي صارت دفترًا أسود للتاريخ.
كان يعرف أنّ الحقيقة لا تُكتب بالحبر
بل بنقطة نارٍ على خشبٍ يموت ببطء.
نقر بمنقاره كلماتٍ متعبة:
حين يصبح الصمتُ قانونًا
يصير الكلامُ جريمة
ويصير الصدقُ مؤامرة.
نفش ريشه
ونظر إلى الغابة التي لم تعد تشبه نفسها
وقال قبل أن يطير:
لقد تغيّر شكل الليل…
ولم تعُد السماء تفرّق بين القمر والذيل.
ثم حلّق بعيدًا
حيث لا تصل أصوات المهرجانات
وحده صدى جناحيه بقي يقول:
...
في الحلقة القادمة…
ستحاول الثعالب تغيير شكل القمر
ليصبح على مقاس أكاذيبها.























