د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء

{title}
نبأ الأردن -
حينما صارت النارُ تُصَلِّي وحدها

كان المساءُ يهبطُ على الغابةِ كأنَّه جنازةٌ قديمةٌ تتكرّر كلَّ يوم.
السماءُ مغسولةٌ بالدخان، والأرضُ تلبسُ ثوبَ الرماد
حتى العصافيرُ صارت تخافُ من أصواتها… كي لا تجرحَ صمتَ العار.
    ... 
في ذلك الركنِ البعيد
حيث تلتقي الجذورُ بالبكاءِ
كانت نارٌ صغيرةٌ تشتعلُ وحدَها.
لا أحدَ يقتربُ منها
ولا أحدَ يجرؤُ على إطفائِها.
تُصلِّي بصمتٍ أحمرَ متوهّجٍ
ترفعُ لهبَها كأصابعَ تتوسّلُ الرحمة.
تقولُ للريح:

 «مَن بقي لي أُناجيه غيرَكَ؟
الكلُّ احترقَ
وبقيَ الرمادُ يُسبّحُ وحيدًا.
       ... 
الثعالبُ ما زالت تُديرُ شؤونَ الغابةِ باسمِ الحكمة
والذئابُ تتناقشُ في أخلاقِ الافتراس
والبومُ يُصدرُ بيانًا عاجلًا:

نحن ضدُّ الاحتراقِ غيرِ المرخَّص!
أما الضمائرُ، فقد هاجرتْ جنوبًا… بحثًا عن دفءٍ لا يشبهُ لهبَها.

    ... 
وحين هبّتِ الأمطارُ فجأةً
سارعتِ النارُ للاحتماءِ تحتَ حجرٍ مكسورٍ
تسعلُ من الدخان
لكنّها ما زالت تصلي.
قالت لقطرةٍ نزلت على خدِّها:

يا أختي الباردة، لا تُطفئيني
فالظلمةُ أطولُ من العمر
والحقُّ يحتاجُ إلى ضوءٍ يحترق.

      ... 
اشتعلتِ السماءُ فجأةً بخيطٍ من نور،
سمعتهُ الغابةُ كأنَّه دعاءٌ مؤجَّل.
كتبتِ النارُ على رمادِها الأخير:

 اللهمَّ إنهم صمتوا، وأنا أُضيء.

ثم تمدّدتْ على الأرضِ كشهيدةٍ جميلة
تفوحُ منها رائحةُ الحقيقةِ حين تحترق.
ولأوّلِ مرّةٍ منذ قرون
رأى الغيمُ نورًا يصعدُ لا من شمسٍ… بل من صدقٍ.
         ... 
في الصباح
استيقظتِ الغابةُ على عطرٍ غريبٍ.
قال أحدُ العصافير:

هل شممتَ هذا الضوء؟
فقالتِ البومةُ بعينين نصفِ نائمتين:

إنها النارُ التي كانت تُصلي وحدها…
صعدتْ لتخبرَ الله أن الغابةَ ماتت
لكنَّها لم تفقد بعدُ القدرةَ على الحلم.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير