وائل منسي يكتب: حين تلبس الصهيونية ثوب التلمود: توظيف الدين لصرف أنظار العالم عن جوهر الصراع

{title}
نبأ الأردن -
تشير المراجعة التاريخية والفكرية للحركة الصهيونية إلى أنّ بدايتها لم تكن من فراغ، بل جاءت كتتويج لتاريخ طويل من الحنين القومي والثقافي والديني لليهود نحو فلسطين.
إلا أنّ ثيودور هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر هو من منح هذا التيار شكله السياسي المنظّم، مؤسساً للصهيونية السياسية الحديثة التي تبنّت أدوات الدبلوماسية والدولة القومية في إطار علماني.
ومع ذلك، فإنّ المشروع الصهيوني، رغم انطلاقه في قالب حداثي وعلماني، لم ينفصل عن جذوره الدينية والتلمودية، بل وظّفها لاحقاً كرافعة رمزية لتثبيت شرعية الدولة وتوسيع مشروعها الجغرافي والسياسي.
ومع تعاقب العقود، تحوّلت إسرائيل تدريجياً من مشروع قومي علماني إلى مشروع ديني قومي متزايد الطابع التوراتي، حيث صعدت التيارات الدينية المتشددة إلى واجهة القرار السياسي، لتصبح اللغة التلمودية والتفسيرات التوراتية جزءاً من الخطاب الرسمي والسياسات العامة.
هذا التحوّل لم يكن مصادفة أو انعكاساً طبيعياً لتغيرات المجتمع الإسرائيلي فحسب، بل جاء ضمن بنية فكرية واستراتيجية تتقن إدارة الصورة والرمز، وتعرف كيف تستثمر الدين في السياسة حين تحتاج ذلك.
وهنا يبرز البعد الإعلامي بوصفه أداة مركزية في هذا التحوّل.
فالتغطية الإعلامية العالمية الكثيفة والمستمرة التي تُظهِر إسرائيل كدولة دينية تلمودية متطرفة ليست بريئة أو عفوية، بل تُسهم في رسم سردية عالمية مقصودة. إذ تعمل الدوائر الصهيونية العالمية على ترسيخ هذا الانطباع لتوجيه انتباه العالم نحو «صراع القوميات الدينية» بدل الصراع السياسي على الأرض والحقوق.
فحين تنشغل المجتمعات والدول بخطابات الهوية الدينية والانقسامات العقائدية، تتراجع الأسئلة الكبرى عن الاحتلال، والهيمنة، والعدالة الدولية، والتنمية، والديمقراطية.
بهذا المعنى، نجحت تلك الدوائر في توظيف الدين كأداة تضليل سياسي واستراتيجي: فهي تُقدّم إسرائيل للعالم كدولة ذات جوهر ديني توراتي، بينما تعمل في العمق بعقلانية سياسية باردة على إدارة مشروعها الجيوسياسي وتوسيع نفوذها ضمن منظومة غربية متشابكة المصالح.
إنّ هذا الاستخدام الذكي والمقصود للرمز الديني وللصورة الإعلامية لا يهدف إلى «تديين» إسرائيل فعلاً، بل إلى تديين النقاش العالمي وتشتيت تركيزه عن جوهر الصراع الحقيقي، وتحويله من ساحة السياسة والحقوق إلى ساحة الهويات والقوميات الدينية المتصارعة.
وهكذا، تبدو الصهيونية المعاصرة وقد لبست ثوب التوراة والتلمود لا لتدين، بل لتخفي مشروعها السياسي العابر للأديان، وتجعل من العالم كله منشغلاً بمرايا الهوية، بينما تواصل هي هندسة واقع جديد على الأرض، يعيد تعريف موازين القوة والمعنى في المنطقة والعالم.

تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير