عبدالله بني عيسى يكتب :"مغلق للصيانة" .. ماذا لو نأى الأردن بنفسه عن مشاكل الإقليم 10 سنوات؟
نبأ الأردن -
ماذا لو أغلقت البلاد أبوابها في وجه السياسة لعقدٍ من الزمن، وفتحتها فقط للاقتصاد والإنتاج والتنمية والتعليم والاستثمار؟
ماذا لو اتفقنا جميعاً على هدنة وطنية مع الجدل السياسي العقيم وغير المنتج، نعيد خلالها ترتيب البيت الأردني، ونبني ما تهدّم، ونصلح ما تراكم من خلل، بعيداً عن ضوضاء الإقليم وتقلّباته؟.. لدينا مشكلات مركبة، لكن هناك أمل. إذ تنتظرنا مشاريع كبرى تحتاج إلى التفرغ الكامل؛ السكك الحديدية، والناقل الوطني للمياه، والطاقة، والغاز، والموانئ، مشاريع بعشرات المليارات لا تكتمل دون إعلان ورشة بناء ضخمة لصناعة مستقبل يليق بشعب متعلم طموح.
ليس المقصود إقصاء السياسة أو مصادرة الكلمة، بل تخصيص عقدٍ كامل للصيانة الوطنية؛ صيانةٍ تطال البنية الإدارية والاقتصادية والتعليمية، وتحرّر طاقات الدولة من أعباء الاشتباك الإقليمي المزمن.
الفكرة ليست عزلة ولا انكفاء، بل استراحة استراتيجية تمنح الأردن فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة التموضع في زمن تتزاحم فيه الحرائق من كل اتجاه.
حين نقول "مغلق أمام السياسة”، فإن اللافتة مرفوعة في وجه السياسة الخارجية المنفعلة والمنفلتة، لا الحياة السياسية الداخلية المتزنة العاملة تحت مظلة الدستور.
هي رسالة موجهة إلى الإقليم المشتعل: "أما وقد توقفت الحرب الظالمة على غزة، وتتلمس سوريا طريقها للنجاة، وكذلك تفعل لبنان والعراق وبات الملف الفلسطيني مدولاً بطريقة أو بأخرى، فإننا معكم بقدر ما نستطيع لتخفيف معاناتكم، وقلوبنا معكم، لكننا نحتاج إلى عقدٍ نعيد فيه بناء بيتنا الوطني، ونجعل من الاستقرار قاعدةً للنهوض لا غايةً مؤقتة. فتعالوا إلى تشاركية في الاقتصاد والتنمية والنقل، تعالوا إلى تكامل من أجل رفاه شعوبنا. أما الاشتباك سياسياً مع قضاياكم فلن يزيد على حاجاتنا الوطنية لحفظ الأمن والحدود، ليس خذلاناً منا بل لأننا لا نملك مفاتيح التغيير كلها."
خلال هذا العقد، يتجه الأردن نحو الداخل؛ نحو التعليم والمياه والطاقة والتصنيع والتكنولوجيا وفرص العمل، نحو بيئةٍ أكثر كفاءة وعدالة وشفافية. هي هدنة مع الخارج كي ننصرف للداخل، نعيد هيكلة الإدارة، نُحيي روح الإنتاج، وننقل مؤسساتنا من البيروقراطية المتعبة إلى إدارة حديثة تُسابق الزمن لا تُعانده.
الحياد الإيجابي لا الانكفاء
الهدف من هذه الهدنة ليس الانسحاب من الإقليم، بل بناء دولة قوية قادرة على التفاعل مع أحداثه بإيجابية وثقة.
نريد أردنًا يدخل العقد القادم وهو أكثر استقراراً في الداخل، وأكثر تأثيراً في محيطه، لا دولة مرهقة تستهلكها الأزمات.
فحين نستعيد توازننا الاقتصادي والإداري، وننهض بخدماتنا وتعليمنا، ونحد من البطالة، سنصبح أكثر قدرة على مساعدة الشقيق والصديق من موقع القوة لا العاطفة.
نريدها هدنة مؤقتة لا عزلة دائمة، سياسة التعافي الوطني التي تجعل الأردن واحة أمانٍ واستقرارٍ دائمة ودولة رفاه اجتماعي ومعيشي لأبنائه، ومقصداً للمستثمرين والسياح والزوّار وطلبة العلم على مدار العام.
الانكفاء لعقد من الزمن ليس انسحاباً من العالم، بل انسجام مع منطق البقاء؛ أن نُصلح الداخل قبل أن نتصدى للخارج. أن ننتقل من دولةٍ تحاول التكيّف مع الأزمات إلى دولةٍ تصنع شروط نهضتها بنفسها. أن نتحرر من معادلة "التعامل مع النتائج” إلى معادلة "صناعة القرار”. أن نكون نموذجاً في الواقعية السياسية التي لا تستقيل من دورها، لكنها تُعيد ترتيب أولوياتها.
هذه ليست سياسة حياد بارد، بل حيادٌ منتجٌ إيجابي، يرى أن أمن الأردن واستقراره مقدّمان على أي صراع خارجي، وأن بناء الداخل هو أفضل ما نقدّمه للمنطقة. فحين تصبح البلاد قوية ومزدهرة ومتصالحة مع نفسها، سيكون صوتها أكثر احتراماً وتأثيراً، وموقفها أكثر استقلالاً وقدرةً على المبادرة.
قد تكون الفكرة طموحة، لكنها واقعية بقدر ما هي وطنية. فبعدما غرقنا طويلاً في وحل الإقليم يتعين الاسترخاء قليلًا من الصراخ لنبني بصمت.
هدنة مع السياسة... من أجل عقد أردني جديد.. ما رأيكم؟

























