م. صلاح عبيدات يكتب:التعسف في اتخاذ القرار الإداري وشخصنته: آفة تهدد العدالة المؤسسية
نبأ الأردن -
حين تُصاغ القرارات في ممرات الإدارات ويُصنع المصير اليومي للناس، يظل السؤال الأعمق معلّقًا في الهواء: هل تُمارس السلطة لخدمة الإنسان، أم يُساق الإنسان لخدمة السلطة؟
عند هذه المفارقة يولد التعسف، ويبدأ انحدار القرار الإداري من عرش العدالة إلى وادي الهوى.
فالقرار، في أصله، نُطق العقل الجمعي للمؤسسة، وإيقاعٌ منسجم بين المصلحة والقانون. لكنه حين يُختزل في إرادة فردٍ متسلّط، يفقد منطقه، ويتحوّل من أداة للعدل إلى سلاحٍ يُشهر ضد الحقيقة. هنا تذوب القيم، وتصبح المكاتب ساحات خفية لصراعات الأنانية والتسلّط، ويضيع الهدف الذي من أجله وُجدت الإدارة: خدمة الصالح العام.
التعسف لا ينشأ من فراغ، بل من غياب الضمير، ومن تآكل الوعي المؤسسي، ومن صمتٍ طويلٍ تُخنق فيه الأصوات التي كان يمكن أن تُنذر بالانحراف. فحيث يغيب النقد، تتغوّل السلطة، وحيث تُخمد روح العدالة، تستيقظ شهوة السيطرة. إنها اللحظة التي يختبر فيها المسؤول ضميره: هل هو حارس للقيم، أم أسيرٌ لنزواته؟
وشخصنة القرار هي أخطر صور التعسف، لأنّها تُحوّل العدالة إلى وجهٍ من وجوه المزاج. القرار الذي يُبنى على هوى لا على مبدأ، يخلق ظلماً صامتاً يمتد في النفوس قبل الأنظمة. فموظفٌ يُظلم بقرارٍ شخصيّ، يفقد ثقته بالمؤسسة، ومواطنٌ يُقصى بلا حقّ، يفقد ثقته بالدولة، وهكذا تتآكل جسور الثقة التي بُني عليها المجتمع.
إنّ آثار التعسف لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ في وجوه الناس، في انكسار الحماسة، وفي صمت الشرفاء الذين تعبوا من اللاجدوى. إنه سمّ بطيء يسري في شرايين الإدارة، حتى تتحول المؤسسات إلى هياكل بلا روح، تتحدث بلغة القانون وتتصرف بروح المصلحة.
وليس من سبيلٍ إلى النجاة إلا بإحياء الضمير الإداري. فالقوانين مهما بلغت دقتها لا تصنع عدالة إن غاب عنها الوجدان، والسلطة مهما عظمت لا تكتسب هيبة إن خلت من الرحمة. المسؤول الحقّ هو من يدرك أن سلطته امتحانٌ لإنسانيته، وأن العدالة لا تتحقق بالقوة بل بالتجرّد.
إن القرار الإداري، في جوهره، ليس توقيعاً على ورق، بل شهادة على وعيٍ ومسؤولية. وحين يُتخذ القرار بعدل، يُعاد التوازن إلى النفوس، وتستعيد المؤسسة معناها الحقيقي. أما حين يُتخذ تعسفاً، فإن كل توقيعٍ يصبح جرحاً في جسد العدالة، وكل سلطة تتحوّل إلى عبء على كرامة الوطن.
فالقرار العادل لا يُخلّده النص، بل الضمير الذي أنطقه. والعدالة التي لا تُمارس، لا وجود لها مهما كُتب عنها في القوانين.

























