د. راكان أبو طرية يكتب: الدولة الفلسطينية بين الحلم والواقع بعد موجة الاعترافات الدولية
نبأ الأردن -
تمثّل الاعترافات الدولية الأخيرة بدولة فلسطين نقطة تحوّل في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، إذ تعكس تحوّلاً تدريجياً في مواقف بعض الدول الغربية التي لطالما تبنّت نهج الحياد أو الانحياز لإسرائيل. هذا التحول يفتح الباب أمام نقاش عميق حول مدى اقتراب الحلم الفلسطيني من التحقق، وما إذا كانت هذه الاعترافات يمكن أن تتحول إلى رافعة سياسية وقانونية تؤدي في نهاية المطاف إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
أولاً: الفوائد السياسية والقانونية للاعترافات الدولية
الاعتراف الرسمي بفلسطين من قبل دول جديدة يرسّخ مكانة فلسطين ككيان سياسي قائم، ويعزز مطالبتها بعضوية كاملة في الأمم المتحدة.
أهمية قانونية: الاعترافات تمنح فلسطين الحق في المشاركة الأوسع في الاتفاقيات الدولية، وتمكّنها من اللجوء إلى المحاكم الدولية، مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، لمقاضاة الانتهاكات الإسرائيلية.
أهمية سياسية: هذه الاعترافات تضع إسرائيل تحت ضغط دبلوماسي متزايد، وتؤكد أن حل الدولتين ما يزال يحظى بقبول عالمي واسع.
ثانياً: بين الحلم والواقع – هل اقتربت الدولة من التحقق؟
رغم هذه الاعترافات، ما يزال الواقع على الأرض معقّداً:
استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الذي يضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني.
تصعيد الاستيطان الذي يقوّض أي إمكانية حقيقية لإقامة دولة متصلة جغرافياً.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الحلم الفلسطيني بات يملك غطاءً دولياً أوسع، لكنه لم يتحول بعد إلى حقيقة ملموسة على الأرض.
ثالثاً: الإجراءات القانونية لقيام الدولة
وفق القانون الدولي، قيام الدولة يتطلب ثلاثة عناصر رئيسية:
1. أرض محددة: انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة أو على الأقل ترسيم الحدود وفق خطوط 1967.
2. حكومة فاعلة: سلطة فلسطينية موحّدة قادرة على إدارة شؤون الدولة.
3. اعتراف دولي شامل: خصوصاً من مجلس الأمن، وهو ما قد يواجه عقبة الفيتو الأمريكي.
لذلك، قد تحتاج فلسطين لاستراتيجية مزدوجة تجمع بين كسب اعترافات إضافية والضغط من خلال المحافل الدولية لضمان إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها.
رابعاً: الخطوات العربية المطلوبة
الدول العربية مطالبة اليوم باستثمار هذه اللحظة التاريخية:
- تنسيق سياسي جماعي في إطار جامعة الدول العربية لتبنّي موقف موحّد.
- إطلاق حملة دبلوماسية لحشد تأييد مزيد من الدول الكبرى وخصوصاً في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
- توفير دعم مالي مباشر للمؤسسات الفلسطينية لضمان جاهزيتها الإدارية والاقتصادية.
- دعم جهود المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الداخلي، باعتباره شرطاً أساسياً لأي دولة مستقبلية قابلة للحياة.
خامساً: التبعات الداخلية في إسرائيل
تثير هذه الاعترافات قلقاً كبيراً لدى الحكومة الإسرائيلية، إذ تساهم في عزلتها السياسية وتضعف روايتها أمام المجتمع الدولي من جهة ، وتوتر العلاقات الدبلوماسية مع العديد من دول العالم الفاعلة في المجتمع الدولي من جهة أخرى .
- على المستوى الداخلي: قد تعزز الاعترافات موقف التيار اليميني المتشدد الذي يدعو لمزيد من التمسك بالضفة الغربية.
- على المستوى الخارجي: ستسعى إسرائيل إلى شن حملة دبلوماسية مضادة لتقويض هذه الاعترافات أو تحجيم أثرها العملي بالاضافة إلى مزيداً من الصدامات الدبلوماسية مع العديد من الدول الفاعلة في المجتمع الدولي الامر الذي سيجعل تلك الدول تستخدم ادواتها الاقتصادية والعسكرية كوسائل ضغط على الحكومة الإسرائيلية .
سادساً: الموقف الأمريكي المتوقع
الولايات المتحدة، رغم إعلانها دعم حل الدولتين نظرياً، من المرجّح أن تمارس ضغوطاً لعدم تحويل الاعترافات إلى إجراءات ملزمة على أرض الواقع. قد تستخدم الفيتو في مجلس الأمن لمنع منح فلسطين العضوية الكاملة، لكنها في الوقت نفسه قد تشجع استئناف المفاوضات لتخفيف الاحتقان الدولي.
سابعاً: مواقف الدول العربية المحورية
الأردن: لطالما تبنى الأردن القضية الفلسطينية واعتبرها من أولوياته العليا للدولة الاردنية و بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات، فإنه سيكثف جهوده الدبلوماسية لقيام دولة فلسطين وحماية القدس والمقدسات ودفع المجتمع الدولي للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني على أرضهم .
السعودية: قد ترى في هذه الاعترافات فرصة لتعزيز مبادرتها للسلام (2002) وتقديم نفسها كقوة إقليمية تدعم الحلول السياسية.
مصر: ستعمل على استثمار هذه اللحظة لدفع المصالحة الفلسطينية وإنعاش دورها التقليدي كوسيط رئيسي في عملية السلام.
ثامناً: الموقف الإسرائيلي والإجراءات المتوقعة
من المتوقع أن تتجه حكومة نتنياهو إلى:
- توسيع النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية كخطوة مضادة.
- تشديد القيود الأمنية والعسكرية في الأراضي الفلسطينية.
- الضغط على حلفائها الغربيين لوقف أي تحركات قد تؤدي إلى عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة.
تاسعاً: ما يجب على الدول العربية فعله
ينبغي على الدول العربية ألا تكتفي بالبيانات الداعمة، بل أن تتحرك بخطوات عملية:
- تصعيد الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على إسرائيل.
- دعم حراك الرأي العام العالمي من خلال الحملات الإعلامية والحقوقية.
- توحيد الصوت العربي في المؤسسات الدولية لدعم طلبات فلسطين القانونية.
و في الختام فإن الاعترافات الدولية الأخيرة ليست نهاية المطاف، لكنها فرصة استراتيجية ينبغي استثمارها بذكاء سياسي ودبلوماسي و على الفلسطينيين توحيد صفوفهم وعلى الدول العربية أن تترجم دعمها إلى خطوات عملية تعزز قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. عندها يمكن القول إننا اقتربنا حقاً من تحويل الحلم إلى واقع.

























