بلال حسن التل يكتب : في ظلال الفصح المجيد


بينما يدخل المسلمون اليوم العشرة الأواخر من صومهم لله، فإن إخوتهم وشركائهم في الوطن المسيحيين يحتفلون اليوم بانتهاء صومهم الأربعيني لله، ومثلما ينهي المسلمون صيامهم بعيد، فإن إخوتهم المسيحيين ينهون أيضاً صومهم بعيد، وهذا برهان عملي عقدي على أن الدين لله وحده، الذي اختص نفسه بالرحمة يدخل فيها من يشاء من عباده، حيث يؤكد القرآن الكريم أن الله وحده الذي سيحكم أي من عباده الذي سينال هذه الرحمة كما في الآية “62” من سورة البقرة “أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون” .
هذه الحقيقة القرآنية تعني أن الحياة البشرية قائمة على التعددية في كل شيء، وهذه التعددية هي مصدر ثراء البشرية عندما يكون التعاون والتكامل هو الرابط بين أبنائها، كذلك كان من أهداف الخلق البشري أن تقوم العلاقة بين البشر على التعارف “لتعارفوا” على أن يقوم هذا التعرف على التعاون “وتعانوا على البر والتقوى”، ومن ثم فإن العلاقة بين الناس يجب أن تقوم على أساس المواطنة التي تكفل الحقوق والواجبات على أساس العدالة، وهي حقيقة جسدها رسول الله في وثيقة المدينة المنورة، التي هي أول دستور بشري ينظم العلاقة بين الناس على أساس المواطنة بصرف النظر عن دينهم، بل وأكثر من ذلك وجوب احترام الأديان الأخرى لذلك اقتسم رسول الله مسجده مع وفد نصارى نجران الذي جاء يحاوره عليه السلام فأقاموا صلواتهم فيه، وأكثر من ذلك فإن إسلام المسلم لا يكتمل إن لم يؤمن بأنبياء الله ورسله الذين سبقوا محمد عليه السلام وبماء جاءوا به، لذلك كان علماء المسلمين، يتصدرون لحكامهم الذين فكروا بالتضيق على اتباع الديانات الأخرى، لأن ذلك ليس من الإسلام، لذلك ظلت كنائس المسيحيين وكنس اليهود ومعابد سائر الأديان قائمة حيث كان حكم الإسلام الراشد هو المرجع، وظل المسيحيون على وجه الخصوص جزءاً رئيسياً من النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأمة، وخاصة في عالمنا العربي، وعلى وجه أخص في بلاد الشام، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يكون من أمناء بيت مال المسلمين “وزارة المالية” مسيحيون ولم يكن مستغرباً أن يكون منهم قادة جند بل وقادة مقاومة شعبية ولم يكن مستغرباً أن تحفظ الكنيسة لغة القرآن أمام محاولات طمسها، لأنها لغة الثقافة العربية التي تجمع المسلم والمسيحي، وعكس ذلك هو المستغرب الذي عرفته الأمة في عصور انحطاطها، حيث يتصدى للفتوى الجهلة وأنصاف المتعلمين خاب فألهم.
خلاصة القول في هذه القضية: هي أننا علينا ونحن نعيش أجواء رمضان، وفي ظلال الفصح المجيد أن تعمل لاستعادة المعاني السامية في التدين، وأولها التسامح والتعاون في ظلال التعددية التي أمرتنا بها السماء “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين” وكل عام وانتم بخير.
Bilal.tall@yahoo.com

شارك:

شاهد أيضاً

كتب محمود الدباس : عندما تتقاطع المصالح الضيقة مع العاطفة.. يكون الناتج فزعة غير محمودة

اعلم ان نقصا حادا من رصيد متابعي كتاباتي ومنشوراتي سيحدث بعد هذا المقال.. ولكنني لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.