د . مهدي مبارك عبد الله يكتب: هندسة الدور السوري الجديد في أمن المشرق : حارس للممرات أم وقود الجبهات ؟

د . مهدي مبارك عبد الله يكتب:  هندسة الدور السوري الجديد في أمن المشرق : حارس للممرات أم وقود الجبهات ؟
نبأ الأردن -
تسعى دمشق في ظل إدارتها الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى حجز موقع ريادي ومحوري كشريك أساسي في صياغة معادلات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وهذا المسعى الاستراتيجي لا ينطلق من مجرد رغبة في إثبات الحضور السياسي فقط بل يستند ايضا إلى رؤية جيوسياسية واضحة طرحتها الإدارة السورية أمام الفاعلين الدوليين والإقليميين ومفادها أن هندسة أمن المشرق العربي واستقراره لا يمكن أن تكتمل أو تؤتي ثمارها دون المرور بدمشق والاعتراف بمركزيتها التاريخية والجغرافية .

اللافت بوضوح ان القيادة السورية الجديدة تحاول استثمار حاجة القوى الإقليمية والدولية الملحة لضبط التوازنات في المنطقة لتقدم سوريا كقوة وازنة قادرة على تصفية بؤر التوتر ومكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود مثل تنظيم داعش ومن هذا المنطلق تطرح دمشق نفسها كحارس استراتيجي للممرات البرية وسلاسل التوريد الدولية مستفيدة من موقعها الجغرافي الهام الذي يربط بين منطقة الخليج العربي وتركيا وصولاً إلى الأسواق الأوروبية مما يجعل استقرارها ضرورة و مصلحة اقتصادية جماعية .

التموضع الجديد يتجسد في محاولات دمشق الحثيثة للدخول في تفاهمات وترتيبات أمنية موسعة مع عواصم القرار الإقليمي المؤثرة ولاسيما الرياض وأنقرة لضمان الاعتراف بدورها كصمام أمان حقيقي كما تطمح الدولة السورية من خلال هذا الانفتاح الدبلوماسي المرن إلى بناء اتفاقيات دفاعية مشتركة تمنحها وزناً سياسياً يتيح لها التأثير المباشر في الملفات الساخنة والمساعدة الفعالة في تفكيك بنى الجماعات المسلحة وسحب السلاح غير الشرعي تماشياً مع الرؤية العربية المشتركة لتعزيز سيادة الدول الوطنية.

هذا الطموح السياسي في حقيقته يهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل الميزات الجغرافية السورية الحيوية إلى أوراق نفوذ حقيقية وقوة ناعمة تجعل من دمشق لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية أمنية مستقبلية غير أن هذه الرغبة السورية في توسيع النفوذ الخارجي وتلبية متطلبات الأمن الإقليمي تصطدم على أرض الواقع بحتمية دفع أثمان سياسية وعسكرية باهظة قد تفوق في الوقت الراهن القدرة الاستيعابية للدولة الانتقالية في مرحلة مخاضها الداخلي الحالي .

على الصعيد العسكري والاستراتيجي يمثل الانخراط في أي ملفات أو نزاعات خارج الحدود خطراً مباشراً ينذر باستنزاف المؤسسة العسكرية والأمنية الناشئة التي لم تستكمل بعد تجميع قواها وإعادة هيكلتها المركزية حيث تدرك القيادة السورية أن تشتيت المقدرات الدفاعية خارج الحدود أو الانجرار وراء أي عروض الانضمام إلى مهام عسكرية ميدانية بعيدة سيعني حتماً إضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية المباشرة المحدقة بأراضيها وجبهتها الداخلية.

ارتفاع منسوب الحذر والتوجس العسكري يأتي في وقت تواجه فيه دمشق حاجة ماسة لتركيز جهودها الدفاعية ضد التوغلات والضربات الإسرائيلية المستمرة فضلاً عن ضبط الأطراف الحدودية المترامية ومنع أي محاولات لتقويض سلطة الدولة المركزية وبناءً على ذلك فإن أي اندفاع عسكري عابر للحدود سيرتب كلفة تشغيلية ولوجستية باهظة وقد يفتح جبهات مواجهة غير محسوبة النتائج تعيد استنزاف المقاتل السوري قبل أن تكتمل مسارات تأهيله وتأمين احتياجاته الأساسية.

على الصعيد السياسي والاقتصادي لابد من الفهم إن الاندفاع السوري نحو أدوار خارجية مبكرة قد يفرض على دمشق التزامات وقيوداً استراتيجية صارمة تسلبها مرونتها الدبلوماسية الحالية في التعامل مع الخصوم والفرقاء وإن التورط المبكر في صراعات المنطقة يهدد بتحويل البلاد مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات والحروب بالوكالة بين القوى الكبرى والإقليمية وهو السيناريو الأخطر الذي يسعى السوريون لتجنبه بعد سنوات طويلة من المعاناة ودفع الأثمان والكلف الباهظة.

علاوة على كل ذلك إن التورط الإقليمي العسكري قد يعيق حتماً مسار الشراكات الاقتصادية وقوافل إعادة الإعمار والاستثمارات التي تعول عليها دمشق لإنعاش اقتصادها المتهالك وتوفير فرص العمل للمواطنين خاصة وان المانحون والشركاء الإقليميون يبحثون عن بيئة سورية آمنة ومستقرة توجه كل طاقاتها نحو الاستقرار والامن والبناء والتنمية والتعافي الداخلي وليس نحو الانخراط في تجاذبات وتخالفات عسكرية خارجية قد تؤدي بالنتيجة إلى تجميد الدعم المالي والسياسي الحيوي.

ما تخشى دمشق أن يؤدي التوسع الخارجي غير المدروس إلى رهن القرار الوطني لخيارات قوى إقليمية أخرى مما يفقد سوريا ميزة الحياد الإيجابي والاستقلالية التي تحاول إرساءها كركيزة لعهدها الجديد لذلك فإن الثمن السياسي قد يصل الى خسارة قنوات الحوار المفتوحة حالياً مع أطراف دولية متعددة والتي ترى في انكفاء سوريا نحو ترتيب بيتها الداخلي مؤشراً إيجابياً يساعد على دمجها مجدداً في المجتمع الدولي .

ختاما : قد تجد الإدارة الانتقالية في دمشق نفسها أمام توازن دقيق ومصيري يتطلب الفصل التام بين صياغة الأمن الإقليمي انطلاقاً من مركزية الدولة القوية وبين التورط في معارك تستنزف مقدراتها لإن النفوذ الحقيقي والمستدام الذي تسعى إليه سوريا لا يتحقق بالتمدد العسكري عابر الحدود بل بفرض الاستقرار القائم على قوة الجغرافيا وتأمين الذات بحيث تلبي متطلبات الأمن المشترك مع جيرانها دون أن تدفع مقدراتها وتقدم دماء أبنائها ثمناً لحروب الآخرين .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions