اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاهد حسين الصفدي يكتب: دقــــات... على الباب العتيق

عاهد حسين الصفدي يكتب: دقــــات... على الباب العتيق
نبأ الأردن -



ألعاب حارتنا

إنه لمشهد جميل يُعبِّر عن مدى سعادةٍ وفرحٍ ٍلأطفال يلعبون ويمرحون، عُدت بذاكرتي إلى مرحلة كانت ممتعة ومليئة بكل لحظات السعادة. مرحلة الطفولة والتي مضى عليها عشرات السنين, هذا المشهد الطفولي يُصوِّر مرحلة بريئة من حياة كل فرد فينا ولا بد أن فيها ذكريات حلوة وسعيدة وأيضا بعض الذكريات الحزينة. ولكن أهم ما أريد تذكره الآن هو فترة اللعب في (حارتنا)، كيف كنا نلعب وماهي الألعاب التي كنا نستخدمها، ومع مَن كنا نلعب؟ أسئلة دارت في ذهني وخاطري وأيقظت في نفسي مشاعر وأحاسيس كثيرة.
ألعاب حارتنا: كانت بسيطة جدا وسهلة المنال, إذا تخيلت المشهد فستجد أطفالا يلعبون كرة القدم المصنوعة في معظم الأحيان من الأقمشة المستعملة والمستغنى عنها, والسبب دائما يكمن في عدم توفر النقود لشراء الكرة الأصلية, نركض خلفها بفرح وتتسخ ملابسنا ووجوهنا من التراب في ساحة حارتنا ولكن السعادة تغمرنا وتملؤ قلوبنا. ومجموعة أخرى من الأطفال تلعب لعبة (الشرطي والحرامي). أحد الأطفال يقوم بدور الحرامي ويعمل على تجسيد هذا الدور بكل ما أوتي من قوة في إبداع الحيِّل والخدع، لكي لا يتمكن الأطفال الذين يقومون بدور الشرطة من الإمساك به, يهرب ويركض ويتخفى. وفي النهاية يتم إلقاء القبض عليه بعد أن يبدع الشرطة بأساليب التحقيق والمطاردة, وينتصر الحق على الباطل وتُطبق العدالة. هذه اللعبة غرزت فينا مهارات قوية مثل مهارة القيادة التي تصقل شخصياتنا وكانت تتولد بالصدفة نتيجة ممارستنا لهذه اللعبة الجميلة. ومجموعة ثالثة تقوم بصناعة السيارات من الأسلاك الحديدية الملقاة في ساحة حارتنا, أو التي نعمل على جلبها عن سور المدرسة, حيث كنا نغامر لإحضارها ونهرب بعدها من حارس المدرسة لكي لا نتعرض للعقوبة منه, بالإضافة الى الأسلاك كنا نستخدم علب الحليب الفارغة, وبعد جمع هذه الأدوات نجلس ونفكر سويا, ونعمل يداً بيد على تنفيذ ما في مخيلتنا من تصاميم وأفكار, ونعمل بروح الفريق الواحد نتشارك بالتفكير والتنفيذ لكي نحصل على سيارة أسلاك جميلة, ونقوم بتزيينها بأجمل أنواع الزينة وتتجمع

نتيجة لذلك العديد من التصاميم والموديلات, ونتنافس على أجمل تصميم, ونلعب ونتسابق ونحن فرحين وسعيدين بما أنجزناه وما حققناه من إبداع...، الإبداع ما أروع هذه الكلمة جميل جدا أن يكون الطفل مبدعا وخلاقا بالإمكانات البسيطة, قليلة التكلفة. صحيح أن هذه الألعاب كانت تكلفنا جهداً للحصول على ما تلزمه من مواد نحضرها؛ كما ذكرت عن سور المدرسة ومن ساحة حارتنا، ونبذل جهدا في الهرب من الحارس. كنا نتفاخر بما نُنجز ونتباهى به أمام بعضنا البعض وأمام الأهل... نعتز به..لقد علَّمَنا ذلك كله أن نحافظ على ما نصنع أو ما ننتجه من العاب بسيطة ولكنها ثمينة بالنسبة لطفل تعب وبذل جهداً كبيرا ومعاناة,
علَّمَنا ايضا محبة بعضنا البعض, نعمل كإخوة فاللعبة للجميع نتبادلها فيما بيننا, فهي مُلكٌ لكل الأطفال, علَّمَنا ذلك التماسك والتكافل ومساعدة بعضنا البعض في جلب المواد اللازمة, في التفكير والتنفيذ ووضع المقترحات, وعندما يسقط أحدنا وهو يركض هرباً من حارس المدرسة, نرجع إليه لنساعده على النهوض والهرب من بين يديه.
نعود إلى المنزل بعد الإنتهاء من اللعب في (حارتنا), نجد أهلنا أمامنا ونريهم ما قمنا بتصنيعه من سيارات الأسلاك الجميلة, يُعجبون بها ويثنون علينا ويفرحون لفرحنا, ويغضبون منا لإزعاجنا لحارس المدرسة, ويوبخوننا على أفعالنا تلك. نجلس مع أهلنا بعد أن نغتسل من غبار (حارتنا) ونتناول طعامنا, ويأتي دور اللعب مع أبي أحدنا يتسلق على كتفيه وآخر يتصارع معه بسعادة وفرح, هذه اللحظات زرعت في أنفسنا محبة الأهل والتواصل معهم. كان والدي يعود إلى المنزل من عمله متعبا وكنا نشعر بأنه بحاجة إلى شيء يُروح به عن نفسه بعد يوم عمل شاق أنهكه, يجدنا أمامه يفرح بنا ونفرح به نركض إليه ونعانقه بلهفة, يحملنا بين يديه ويضمنا إلى صدره الحنون, المليء بالمحبة والعطف الأبوي الكبير, عندئذ ينسى تعبه وهمومه. كل هذه اللحظات الجميلة أدت بنا إلى أن نتعلم المحبة والعلاقة الأخوية والترابط والتواصل الأسري، وإبداعٍ ومشاركةٍ. وكيف نحافظ على ما ننتج من ألعاب بسيطة.
أين أطفالنا من هذا في هذه الأيام؟ يشتري الأهل الألعاب لأبنائهم جاهزة وبأسعار عالية ودون أن يبذلوا أي جهد للحصول عليها, يلعبون بها لساعات فقط وبعد ذلك نجدها ملقاة على الأرض مكسورة مهملة، والسبب في ذلك هو عدم وجود أي رابط أو علاقة حميمة بينه وبينها, لا توجد صداقة تتولد من خلال صنعها. وأيضا هل يلعب الأهل مع أطفالهم وهل يقضون معهم أوقاتا جميلة، أم منعتهم من ذلك مشقة الحياة ومصاعبها، التي يعاني منها أكثر الناس؟ كان الله في عون الأهل والأطفال الذين يركضون خلف لقمة العيش، بدلا من الركض وراء بعضهم في ساحات (حارتنا) من أجل اللهو والمرح.
يقضي معظم الأطفال هذه الأيام أغلب أوقاتهم أمام شاشات الحاسوب (الكمبيوتر) ويتسلون بالألعاب الإلكترونية, ينعزلون لوحدهم لساعات طويلة, فَقَدوا النواحي الإجتماعية وتتعب عيونهم ويخسرون صحتهم, لا يشعرون بأي نوع من الحنان كما كنا نحن مع سياراتنا وألعابنا المختلفة, ومع ضمنا لصدر والدي. ربما أن ألعاب أطفالنا هذه الأيام تكون قد خففت من التعب الذي كنا نواجهه نحن, ولكنها أفقدتهم بعض الصفات والمشاعر الإنسانية، والإعتماد على النفس والقدرة على الإبداع والخلق لأفكار جديدة، ومنتجات بسيطة جميلة. ألعاب حارتنا فيها شراكة بينما شاشة الكمبيوتر فيها أنانية وحب التملك المفرط, فقلما نجد طفلا يسمح لغيره أن يشاركه فيها أو يعطيه فرصة للعب مكانه.
أؤمن بضرورة منح الأطفال فترات ممتعة وجميلة، من خلال اللعب معهم لمساعدتهم على خلق الرابطة الأسرية الحقيقية المليئة بالمحبة الصادقة, بدلا من قضاء الوقت كله أمام شاشات التلفزة الفضائية و أجهزة الحاسوب, التي تضع الحواجز والعقبات بين الأهل وأطفالهم وتغلق أبواب التوعية والتوجيه, وتمنع الأهل من التعرف على هوايات ورغبات وطموحات وسلوكيات أبنائهم.
أدعوكم أيها الأهل أن تنتبهوا لأبنائكم, إلعبوا معهم دعوهم يعتمدون على أنفسهم, لأن الفائدة من اللعب معهم والاهتمام بهم, تكمن بمنحهم الثقة بالنفس, وتُشعرهم بأهميتهم عندكم وتبني شخصياتهم وتزيد من إدراكهم وسلوكهم واتجاهاتهم، وشعورهم بتحمل المسؤولية إتجاه أنفسهم واتجاه مَن حولهم من الأصدقاء, فلا تهملوا أطفالكم والعبوا معهم في
(العاب حارتنا).

مقالة من كتابي "دقات على الباب العتيق"

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions