عبدالله بني عيسى يكتب : عن التعاون العسكري الأردني الأمريكي .. بين وعي القرار و"سذاجة" البعض
نبأ الأردن -
ثمة من يتعامل اليوم مع الوجود العسكري الأمريكي في الأردن وكأنه بدأ فجأة!! هل كنا في الأردن نملك في 2014 و2015 رفاهية اختيار شكل المنطقة التي تحيط بنا!؟
للذين ينسون أو يتناسون السياق، في تلك السنوات كان داعش يسيطر على مساحات هائلة من العراق وسوريا، وكانت حدوده تقترب من الأردن، فيما كانت الدولة السورية تتفكك شمالاً، والعراق يواجه انهياراً أمنياً خطيراً شرقاً. وكان واضحاً للمؤسسات العميقة في البلاد أن تمدد داعش والتنظيمات المتطرفة في البلدين واحد من أخطر التهديدات للأمن الوطني، فعزز الأردن وجود الجيش على الحدود الشمالية والشرقية، وشارك سلاح الجو الملكي في ضربات التحالف ضد داعش. كما كانت القوات الأمريكية وقوات التحالف موجودة في الأردن أصلاً للتدريب والعمليات المشتركة.
ثم جاء حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً في شباط 2015 ليحوّل التهديد من احتمال استراتيجي إلى جرح مفتوح للكرامة الوطنية. وفي تلك اللحظة تحديداً تصاعدت مشاركة الأردن في الحرب على التنظيم، وتعزز التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة.
الأردن لم يكن يتلقى من الولايات المتحدة «حماية مجانية»، بل كان يبني قدرة وطنية بمساعدة تقنية وعسكرية هائلة. برنامج أمن الحدود الأردني، الذي بدأ قبل داعش، تطور إلى منظومة متقدمة من أجهزة الاستشعار والمراقبة والإنذار، واستُكملت مراحله التي غطت معظم الحدود السورية والحدود العراقية في 2015. وفي 2016 استمر الأردن في تعزيز قدرات الرصد والاعتراض، بما في ذلك أنظمة بيومترية ومعلومات استخبارية وتقنيات أمريكية للمراقبة الحدودية. وفي 2021 حين تمأسس الوجود الأمريكي في الأردن على شكل اتفاقية كانت فوضى المخدرات والأسلحة والعبث الإيراني مصادر تهديد خطيرة وجدية.
لذلك، فإن توسيع التعاون العسكري الأمريكي في تلك المرحلة لم يكن ارتهاناً للقرار الأردني كما يحاول السذّج أو ذوي القلوب المتخمة بالحقد تصويره، بل كان قراراً دفاعياً عقلانياً في مواجهة بيئة إقليمية كانت تنهار حول الأردن. الأردن لم يطلب من الأمريكيين أن يحاربوا عنه؛ استخدم التكنولوجيا والتدريب والاستخبارات والتسليح الأمريكية لزيادة قدرة جيشه وأجهزته على خوض الحرب ومنعها من الوصول إلى الداخل.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة في بعض الخطاب العربي اليوم.
فبعض العرب الشامتين على نحو مقزز والذين يقدمون تبريرات لإطلاق إيران أو أذرعها الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الأردن يتعاملون مع التاريخ وكأنه بدأ بالأمس، وينسون أن الأردن أمضى سنوات في حماية حدوده من داعش أولاً، ثم في منع تحول حدوده الشمالية والشرقية إلى ممر للمليشيات والمخدرات والأسلحة والمشاريع المسلحة القادمة من العراق وسوريا.
لم يكن ذلك حباً بأمريكا، ولا عداءً لإيران. كان اسمه ببساطة الدفاع عن الدولة.
يمكن أن تختلف مع السياسة الأمريكية، وأن تنتقد إسرائيل، وأن تختلف مع موقف الأردن أو تؤيده؛ لكن ذلك كله لا يلغي الحقيقة الأهم كأردني لا يأبه بتخرصات الكارهين: بقاء الأردن مستقراً وآمناً ليس تفصيلاً في مشروع أحد. إنه الغاية التي ينبغي أن تبدأ منها كل الحسابات.
ومن لا يرى في بقاء وطنه وصموده مصلحة تستحق الدفاع عنها، قد يجد ألف مبرر للصاروخ الذي يأتيه من الخارج، لكنه لن يجد مبرراً أخلاقياً مقنعاً لما سيحدث بعد سقوط أول جدار من جدران الدولة لا سمح الله.























