اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سرقة المياه في الأردن.. ملايين الأمتار المهدورة واعتداءات تمتد من المنازل إلى الديسي والآبار

سرقة المياه في الأردن.. ملايين الأمتار المهدورة واعتداءات تمتد من المنازل إلى الديسي والآبار
نبأ الأردن -
تمتد سرقة المياه والاعتداءات على مصادرها في الأردن من الوصلات المنزلية والخطوط الرئيسية والناقلة إلى خط الديسي والآبار الجوفية وقناة الملك عبدالله، متسببة بهدر ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنويا، في وقت تظهر فيه أحدث بيانات وزارة المياه والري أن عدد الاعتداءات على الخطوط الرئيسية والناقلة بلغ 133,408 اعتداءات منذ انطلاق حملة إحكام السيطرة على مصادر المياه في حزيران 2013 وحتى حزيران 2026، فيما تشكل الاعتداءات نحو 70% من فاقد المياه في المملكة.

وتكشف التقارير الرسمية، اتساع نطاق الظاهرة وتعدد أشكالها، إذ لا تقتصر على التلاعب بالوصلات المنزلية، بل تشمل حفر الآبار المخالفة، والاعتداء على الخطوط الناقلة والمصادر الاستراتيجية، واستخدام الصهاريج في تعبئة المياه من مصادر مخالفة، ما يضاعف الضغط على قطاع يعاني أصلا من محدودية الموارد المائية وارتفاع نسب الفاقد.

وتكشف أحدث بيانات وزارة المياه والري، عن اتساع نطاق الاعتداءات على منظومة المياه خلال السنوات الماضية، إذ بلغ عدد الاعتداءات المضبوطة على خطوط المياه الرئيسية والناقلة منذ انطلاق حملة إحكام السيطرة على مصادر المياه في حزيران 2013 وحتى حزيران 2026، 133,408 اعتداءات.

وبحسب البيانات، لا تزال 1,265 قضية متعلقة بالاعتداءات على المياه منظورة أمام المحاكم، في مؤشر على استمرار المسار القانوني بالتوازي مع عمليات الضبط والإزالة التي تنفذها الوزارة بالتعاون مع الجهات المختصة.

ولم تقتصر الاعتداءات على الخطوط الناقلة والرئيسية، إذ بلغ عدد الآبار المخالفة التي ضبطتها الوزارة وردمتها حتى حزيران 2026 نحو 1,734 بئرا مخالفا، فيما ضبطت وحجزت 160 حفارة تستخدم في حفر آبار بصورة مخالفة.

كما سجلت الوزارة 2,955 اعتداء على أراضي الخزينة في وادي الأردن، و38,667 اعتداء على قناة الملك عبدالله، إضافة إلى 476 اعتداء على أراضي الخربة السمرا.

وتظهر هذه الأرقام تعدد صور الاعتداء على مصادر المياه؛ من الوصلات غير المشروعة على الشبكات، إلى حفر الآبار المخالفة، والاعتداء على القنوات والمنشآت المائية وأراضي الخزينة.

قرابة 4 ملايين متر مكعب متأثرة باعتداءات 2026

وتظهر بيانات الوزارة للعام الحالي،  استمرار الاعتداءات في مختلف مناطق المملكة، مع تفاوت حجم المياه المتأثرة من منطقة إلى أخرى.

فقد بلغت كميات المياه المتأثرة بالاعتداءات على أراضي الخزينة وقناة الملك عبدالله خلال 2026 نحو 400 ألف متر مكعب.

وفي نطاق شركة مياه الأردن "مياهنا"، الذي يشمل عمّان والزرقاء ومادبا والبلقاء، بلغت الكميات المتأثرة نحو 2.536 مليون متر مكعب، وهي الحصة الأكبر بين المناطق التي أوردتها الوزارة.

أما في محافظات الشمال التي تخدمها شركة مياه اليرموك، وتشمل إربد والمفرق وجرش وعجلون، فبلغت كمية المياه المتأثرة نحو 549 ألف متر مكعب.

وفي محافظات الكرك والطفيلة ومعان والعقبة، بلغت الكميات المتأثرة نحو 456.7 ألف متر مكعب.

وتظهر هذه الأرقام أن الاعتداءات لا تتركز في منطقة واحدة، بل تمتد إلى مختلف أقاليم المملكة، فيما تسجل محافظات الوسط، وفق البيانات، الكمية الأكبر من المياه المتأثرة خلال العام الحالي.

1,459 اعتداء على خط الديسي في 2026

ويبرز خط مياه الديسي بوصفه أحد أكثر مصادر المياه الاستراتيجية تعرضا للاعتداءات، إذ بلغ مجموع الاعتداءات المسجلة على الخط خلال عام 2026 نحو 1,459 اعتداء، وفق أحدث بيانات الوزارة.

ويمثل تكرار الاعتداءات على خط الديسي تحديا إضافيا لمنظومة التزويد المائي، نظرا إلى الدور الذي يؤديه الخط في تزويد مناطق واسعة بالمياه، وما يمكن أن ينتج عن أي اعتداء من فقد كميات من المياه أو اضطرار الجهات الفنية إلى التدخل وإجراء الإصلاحات.

ومن المهم في هذا السياق الفصل بين عدد الاعتداءات على خط الديسي خلال 2026 وبين الرقم التراكمي للاعتداءات على الخط منذ بدء تشغيله، إذ يمثل كل منهما مؤشرا زمنيا مختلفا.

77 صهريجا مخالفا خلال 2026

ولا تقتصر عمليات الاعتداء على ربط الخطوط أو الوصلات غير المشروعة، إذ ضبطت الوزارة خلال عام 2026 77 صهريج مياه مخالفا يقوم بالتعبئة من مصادر مياه مخالفة.

وتكشف عمليات ضبط الصهاريج جانبا آخر من ظاهرة سرقة المياه، يرتبط في بعض الحالات بتحويل المياه المعتدى عليها إلى نشاط تجاري من خلال نقلها وإعادة بيعها، وهو ما يوسع الأثر من اعتداء فردي على الشبكة إلى نشاط يستنزف مصدرا عاما لتحقيق عائد مالي.

تراجع الاعتداءات على الوصلات المنزلية في 2025

وفي ما يتعلق بالوصلات المنزلية، تظهر أحدث بيانات الوزارة، اختلافا واضحا بين عامي 2024 و2025.

فقد بلغ عدد الاعتداءات المضبوطة على الوصلات المنزلية خلال عام 2024 نحو 16,225 اعتداء، فيما انخفض العدد خلال عام 2025 إلى 7,892 اعتداء.

وتزامن الانخفاض في أعداد الاعتداءات مع تراجع كمية المياه المتأثرة بها، إذ بلغت خلال عام 2024 نحو 18.144 مليون متر مكعب، مقابل نحو 10.301 ملايين متر مكعب خلال عام 2025.

وتعكس الأرقام تراجعا ملحوظا في الاعتداءات المضبوطة على الوصلات المنزلية بين العامين، لكنها تظهر في الوقت ذاته أن ملايين الأمتار المكعبة من المياه ما تزال تتأثر سنويا نتيجة الوصلات غير القانونية والعبث بالشبكات.

الاعتداءات وراء 70% من فاقد المياه

وتكتسب الاعتداءات أهمية أكبر عند ربطها بملف الفاقد المائي، إذ تشير أحدث بيانات الوزارة إلى أن الاعتداءات تشكل نحو 70% من فاقد المياه في المملكة، بحسب ما ذكرت وزارة المياه والري .

وفي المقابل، قالت الوزارة إنها نجحت خلال العام الماضي في خفض نسبة الفاقد المائي بنحو 10%، لتصل إلى 42.3%.

ويعني ذلك أن مواجهة الاعتداءات تمثل أحد المحاور الرئيسية لخفض الفاقد، إلى جانب معالجة التسربات الفنية، وإعادة تأهيل الشبكات، وتحسين إدارة الضغوط، واستبدال العدادات وتطوير أنظمة المراقبة.

وتوضح نسبة الـ70% حجم الأثر الذي تتركه الاعتداءات في منظومة المياه؛ إذ إن الجزء الأكبر من الفاقد، بحسب تقديرات الوزارة، يرتبط بالاعتداءات وليس بالأسباب الفنية وحدها، ما يجعل إحكام السيطرة على الشبكات والمصادر عنصرا أساسيا في أي خطة تستهدف خفض الفاقد والمحافظة على الموارد المتاحة.

اتساع الظاهرة

وعند جمع مؤشرات الضبط المختلفة من دون الخلط بينها، تظهر صورة واسعة لملف الاعتداءات: 133,408 اعتداءات على الخطوط الرئيسية والناقلة منذ بدء الحملة، و1,734 بئرا مخالفا جرى ضبطها وردمها، و160 حفارة مخالفة، وأكثر من 38 ألف اعتداء على قناة الملك عبدالله، إضافة إلى آلاف الاعتداءات على أراضي الخزينة ومئات الاعتداءات في الخربة السمرا.

وتضاف إلى ذلك آلاف الاعتداءات السنوية على الوصلات المنزلية و1,459 اعتداء على خط الديسي خلال 2026 وحده، إلى جانب ضبط عشرات الصهاريج التي تعبئ المياه من مصادر مخالفة.

لكن هذه الأرقام لا ينبغي جمعها في رقم إجمالي واحد؛ لأنها تمثل فئات مختلفة من الاعتداءات، وبعضها تراكمي منذ 2013، فيما يتعلق بعضها بعام واحد فقط، وقد تتداخل بعض عمليات الضبط في أكثر من تصنيف.

وتشير البيانات في مجملها إلى أن سرقة المياه لم تعد مرتبطة بنمط واحد من المخالفات، وإنما تمتد عبر منظومة تبدأ من الوصلة المنزلية وتمر بالخطوط الرئيسية والناقلة، وصولا إلى الآبار والمصادر الاستراتيجية وقناة الملك عبدالله والصهاريج المخالفة.

وفي بلد يعاني محدودية الموارد المائية، فإن كل كمية مياه تفقد نتيجة اعتداء لا تمثل فقط خسارة مالية على قطاع المياه، وإنما كمية كان يفترض أن تصل إلى مواطن أو منشأة أو قطاع إنتاجي، وهو ما يفسر تعامل الوزارة مع الاعتداءات باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالأمن المائي.

الاعتداءات تحت مجهر القانون

قانونيا، يرى أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية محمد الفواعرة أن بعض صور الاعتداء الجسيم على المياه قد يتجاوز نطاق المخالفة المنصوص عليها في قانون سلطة المياه، وفقا للتكييف القانوني وحجم الضرر الناتج عنها.

وقال الفواعرة لـ"المملكة"، إن قانون سلطة المياه عُدل في 2014 لتشديد العقوبات، وإن المادة 56، وفق شرحه، تعاقب الاعتداء على الشبكة الرئيسية للمياه أو تركيب وصلة منزلية مخالفة بالحبس من 3 أشهر إلى سنة. ورأى أن بعض الحالات الجسيمة التي تشكل خطرا على الموارد الطبيعية قد تخضع، بحسب ظروف القضية وتكييفها القانوني، لنصوص في قانون منع الإرهاب وقد تصل إلى اختصاص محكمة أمن الدولة.

إصلاحا لمنظومة الرقابة

بدوره، حذر رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس الأعيان عاكف الزعبي من استمرار الاعتداءات على خطوط وشبكات المياه والآبار غير المرخصة، مؤكدا أن المشكلة لا ترتبط بقصور العقوبات بقدر ما تعكس "إهمالا متقادما" عمره نحو 40 عاما.

وقال الزعبي لـ"المملكة" إن ظاهرة الآبار المخالفة بدأت منذ عقود وتفاقمت مع تكرار منح الإعفاءات، ما دفع بعض المخالفين إلى انتظار إعفاءات جديدة والاستمرار في حفر الآبار غير المرخصة.

وأشار إلى تزايد الاعتداءات على الخطوط الرئيسية، وخصوصا خط الديسي، لافتا إلى تسجيل عشرات الاعتداءات خلال الشهرين الماضيين، معتبرا أن هذه الأرقام تعكس الحاجة إلى تعزيز الرقابة بصورة مستمرة.

وأكد الزعبي أن معالجة المشكلة تتطلب إصلاحا متكاملا يشمل الرقابة والمتابعة، إلى جانب مراجعة التشريعات والعقوبات، مشيرا إلى أن العقوبات القائمة لم تكن كافية لوقف تكرار الاعتداءات.

معركة خفض الفاقد حتى 2040

في مقابل استمرار الاعتداءات، تستهدف الاستراتيجية الحكومية لخفض الفاقد تقليص نسبته بمقدار نقطتين مئويتين سنويا، وصولا إلى نسبة لا تزيد على 25% بحلول عام 2040، عبر مشاريع لإعادة هيكلة الشبكات وتأهيلها، وتحسين الضغوط، وتطوير أنظمة الإدارة والرقابة، وتركيب عدادات ذكية، والتوسع في حماية المصادر وضبط الاعتداءات.

لكن الأرقام الممتدة من الآبار المخالفة إلى الديسي والخطوط الناقلة والوصلات المنزلية تظهر أن معالجة الفاقد لا ترتبط بالبنية التحتية وحدها؛ فكل شبكة جديدة أو مصدر إضافي يبقى معرضا للاستنزاف إذا استمرت عمليات السحب غير المشروع وإعادة بيع المياه.

وعليه، تتوزع معركة المياه على مسارين متوازيين: الأول فني يتعلق بتحديث الشبكات والعدادات والرقابة وخفض التسرب، والثاني رقابي وقانوني يستهدف وقف سرقة المياه وحماية الخطوط والمصادر والآبار من الاعتداء.

وبينما يسعى الأردن إلى إضافة مصادر مائية جديدة وتأمين احتياجات سكانه في العقود المقبلة، تكشف الأرقام أن جزءا من التحدي لا يتعلق فقط بالبحث عن متر مكعب جديد، وإنما بحماية المتر المكعب الذي جرى بالفعل استخراجه وضخه ونقله حتى لا يفقد قبل وصوله إلى مستحقه.

فأكثر من 77 مليون متر مكعب مسروقة من الوصلات المنزلية منذ 2023، و13,796 اعتداء على الديسي منذ 2014، وأكثر من 133 ألف اعتداء تراكمي على الخطوط الرئيسية والناقلة منذ بدء حملة إحكام السيطرة، ليست مؤشرات منفصلة بقدر ما ترسم صورة لضغط مستمر على منظومة تعمل أصلا في ظروف ندرة مائية شديدة.

وفي ظل تقدير حصة الفرد بنحو 62 مترا مكعبا سنويا، يصبح ضبط الاعتداءات جزءا مباشرا من معادلة الأمن المائي؛ إذ إن استعادة كميات المياه المفقودة لا تقل أهمية عن تطوير مصادر جديدة، خصوصا أن خفض الفاقد نقطة مئوية واحدة فقط يعني، وفق تقديرات الوزارة، توفير قرابة 5 ملايين متر مكعب سنويا.
(المملكة)
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions