اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نور الدويري تكتب: الملك عبدالله الثاني بين واشنطن وبكين: كيف يناور الأردن في عاصفة إقليمية؟

نور الدويري تكتب:  الملك عبدالله الثاني بين واشنطن وبكين: كيف يناور الأردن في عاصفة إقليمية؟
نبأ الأردن -
لا يمكن تصنيف زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في هذا التوقيت باعتبارها مجرد محطة في جدول العلاقات الخارجية الأردنية، كما أنها لا تعني انتقال عمّان من واشنطن إلى بكين. فالملك يصل إلى الصين في لحظة تعيد فيها المنطقة رسم خرائط القوة والتحالفات، بينما تدخل المواجهة الأميركية–الإيرانية مرحلة أكثر غموضاً، ويبقى مضيق هرمز نقطة اختناق تهدد الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

في هذا المشهد، يقف الأردن أمام واحدة من أكثر لحظاته الجيوسياسية حساسية. فهو حليف أمني واقتصادي للولايات المتحدة، لكنه في الوقت ذاته دولة تقع في قلب إقليم مضطرب، وتصل إليها ارتدادات أي مواجهة واسعة في الخليج والعراق وسوريا وفلسطين. وما يحدث في هرمز ليس أزمة بعيدة عن عمّان؛ فارتفاع كلف الطاقة والنقل والتأمين والشحن يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الاقتصاد الأردني، الذي لا يملك رفاهية امتصاص صدمات إقليمية طويلة.

لكن المفارقة أن الجغرافيا التي تجعل الأردن عرضة للصدمات يمكن أن تمنحه، إذا أُديرت جيداً، قيمة استراتيجية جديدة، وهنا تحديداً يمكن قراءة التحرك الملكي باعتباره جزءاً من إعادة التموضع الاستراتيجي واستشراف التحولات المقبلة.

فإذا أعادت الحرب تشكيل طرق التجارة والطاقة، فإن العقبة، وشبكات النقل، والموقع الأردني بين الخليج والعراق وبلاد الشام، يمكن ألا تبقى مجرد حقائق جغرافية، بل أن تتحول إلى منصة لوجستية واقتصادية أكثر أهمية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يستطيع الأردن أن يقدم للعالم، لا ماذا ينتظر منه؟

من هذه الزاوية، تصبح زيارة الصين أكثر قابلية للفهم. فبكين تمثل للأردن نافذة على الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والأسواق الآسيوية، بينما تمثل واشنطن شريكاً أمنياً واقتصادياً لا يستطيع الأردن الاستغناء عنه. والمعادلة الأردنية ليست «واشنطن أم بكين»، لأن أي محاولة لوضع المملكة أمام هذا الاختيار تتجاهل طبيعة مصالحها وموقعها.

إلا أن المطلوب هو شيء أكثر تعقيداً: أن يوسع الأردن خياراته من دون أن يخسر شراكاته القائمة. فالاستثمار الصيني الذي يحتاجه الأردن ليس مجرد تدفق أكبر للسلع، وإنما استثمارات تنتج قيمة مضافة داخل المملكة، وتدعم الصناعة والتكنولوجيا والطاقة واللوجستيات، وتفتح أمام الاقتصاد الأردني أسواقاً جديدة. وفي المقابل، تحتاج العلاقة مع واشنطن إلى أن تبقى مستقرة وقادرة على حماية المصالح الأردنية، ولكن من دون أن تتحول هذه العلاقة إلى اعتماد يجعل هامش الحركة الاقتصادية والسياسية محدوداً.

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع التطورات الأخيرة في العلاقة التجارية الأردنية–الأميركية، التي تعكس اتجاهاً نحو تعميق التعاون الاقتصادي، لكنها تتضمن في الوقت نفسه التزامات تتعلق بمنع التحايل على الرسوم، وضوابط التصدير، وأمن الاستثمار، وغيرها من الملفات التي تجعل السياسة التجارية جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الأوسع.

وهنا تحديداً تظهر صعوبة المناورة. فالأردن يريد أن يستفيد من انفتاحه على الصين، لكنه لا يستطيع تجاهل شبكة علاقاته والتزاماته مع الولايات المتحدة. لذلك فإن النجاح لا يكمن في الاقتراب من طرف والابتعاد عن آخر، وإنما في بناء سياسة خارجية واقتصادية تجعل الشراكات المتعددة أدوات لتعزيز القرار الوطني، لا مصادر لتقييده.

لكن التحدي الأردني لا يتوقف عند الاقتصاد، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع التداعيات السياسية والأمنية وشكل الصراع المحتد في المنطقة.

فمستقبل القضية الفلسطينية، واحتمالات التهجير أو الضم، والضغوط المتزايدة على دول الجوار، تجعل مفهوم الأمن الوطني الأردني أوسع بكثير من حماية الحدود. الأمن الأردني يعني أيضاً اقتصاداً قادراً على الصمود، ومياه وطاقة وغذاء أكثر أمناً، وبنية تحتية قادرة على تحمل الصدمات، ودولة تستطيع حماية قرارها السياسي في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

ومن هنا يمكن النظر إلى الصين ليس باعتبارها بديلاً عن الولايات المتحدة، وإنما باعتبارها أحد الخيارات التي يستطيع الأردن استخدامها لتوسيع مساحة المناورة.

وهذا هو جوهر السياسة الواقعية بالنسبة لدولة بحجم الأردن: ألا تختار القوى الكبرى نيابة عنها، وألا تسمح لجغرافيا الصراع بأن تتحول إلى قدر سياسي واقتصادي دائم.

الأردن لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، لكنه يستطيع تغيير الطريقة التي يستخدم بها هذا الموقع.

فالعقبة يمكن أن تكون أكثر من منفذ بحري، والموقع الأردني يمكن أن يكون أكثر من منطقة عازلة بين أزمات الإقليم. وإذا أحسن الأردن الاستثمار في بنيته التحتية، وموانئه، وقطاعاته الإنتاجية، وقدراته البشرية والتكنولوجية، فقد تتحول الجغرافيا التي طالما جعلته عرضة لارتدادات الأزمات إلى ورقة قوة في إعادة تشكيل طرق التجارة والاستثمار في المنطقة.

لهذا، فإن زيارة الملك عبدالله الثاني إلى بكين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتقالاً من محور إلى آخر، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة هندسة موقع الأردن داخل نظام إقليمي ودولي يتغير بسرعة.

فالملك لا يستطيع تغيير الجغرافيا، لكنه يستطيع محاولة تحويلها من عبء إلى ورقة تفاوض. وفي عالم تتنافس فيه واشنطن وبكين، وتضطرب فيه طرق الطاقة والتجارة، وتتداخل فيه إيران وإسرائيل وفلسطين والخليج، وتتحول أزمة مضيق هرمز إلى اختبار طويل الأمد لموازين القوة وحرية الملاحة، تصبح المعركة الأردنية الحقيقية ليست في اختيار طرف على حساب آخر، وإنما في الحفاظ على الاستقرار، وتوسيع الخيارات، وحماية القرار الوطني.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات الإدارة الهاشمية في التعامل مع الأزمات الإقليمية: الحفاظ على موقع الأردن كنقطة ارتكاز وحلقة وصل، لا كساحة صراع، وتحويل علاقاته المتعددة إلى مساحة للمناورة السياسية والاقتصادية، بما يساعد المملكة على الصمود أمام العواصف المتتالية دون التفريط بمصالحها الوطنية.

الأردن لا يحتاج إلى اختيار طريق بين واشنطن وبكين؛ بل يحتاج إلى أن يجعل من موقعه على الطريق سبباً لبقائه وقوته، ومن قدرته على إعادة التموضع أداة للمشاركة في هندسة الإقليم وآليات إعادة تشكيله.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions