اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. محمد الجبور يكتب: المخدرات.. حين يفقد الإنسان شخصيته قبل أن يفقد صحته

د. محمد الجبور يكتب: المخدرات.. حين يفقد الإنسان شخصيته قبل أن يفقد صحته
نبأ الأردن -
المخدرات ليست مجرد مادة تدخل جسم الإنسان فتؤثر في صحته، بل هي خطر يتسلل تدريجيًا إلى شخصيته وفكره وإرادته وعلاقاته ومكانته داخل المجتمع. ولذلك فإن مواجهة المخدرات يجب ألا تقتصر على الحديث عن أضرارها الجسدية، لأن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد الإنسان قدرته على التحكم في نفسه وقراراته.
في البداية قد يعتقد البعض أن التعاطي مجرد تجربة عابرة أو وسيلة للهروب من الضغوط والمشكلات، لكن هذه التجربة قد تتحول تدريجيًا إلى اعتماد يجعل المخدر جزءًا من حياة الإنسان، ويبدأ عندها التغيير في الشخصية والسلوك


ومن أبرز الآثار التي تظهر على شخصية المتعاطي ضعف الإرادة وفقدان القدرة على ضبط السلوك. فالإنسان الذي كان يخطط لمستقبله ويضع أولوياته قد يصبح تفكيره منصبًا على الحصول على المادة المخدرة، حتى على حساب عمله وأسرته وكرامته ومكانته الاجتماعية.
كما تؤدي المخدرات إلى تغيرات واضحة في السلوك؛ فقد يصبح الإنسان أكثر عصبية أو اندفاعًا أو عدوانية، وقد يفقد القدرة على اتخاذ القرارات السليمة. ومع استمرار التعاطي تتراجع المسؤولية، ويبدأ الإهمال في العمل والدراسة والواجبات الأسرية، وتظهر حالة من الفوضى في الحياة اليومية.
والأخطر من ذلك هو تآكل الثقة بين الإنسان ومحيطه. فقد يلجأ المتعاطي إلى الكذب أو إخفاء حقيقة تعاطيه، وتبدأ الأسرة في فقدان الثقة به، بينما يبتعد هو تدريجيًا عن الأشخاص الذين يمكن أن يساعدوه، ويقترب أكثر من البيئة التي تشجعه على الاستمرار.
المخدرات كذلك تضرب مفهوم الإنسان لذاته. فمع مرور الوقت قد يشعر المتعاطي بالذنب والفشل والعجز، ويصبح أسيرًا لدائرة خطيرة: تعاطٍ، ثم مشكلات، ثم ضغوط نفسية واجتماعية، ثم العودة إلى التعاطي للهروب من تلك المشكلات.
وهنا تتحول القضية من مشكلة فردية إلى مشكلة تمس الأسرة والمجتمع والأمن والاقتصاد. فكل شاب يفقد مستقبله بسبب المخدرات يمثل خسارة لعائلته ومجتمعه ووطنه، وكل أسرة تتفكك بسبب الإدمان تترك آثارًا قد تمتد إلى سنوات طويلة.
لذلك فإن الوقاية من المخدرات تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، من خلال بناء شخصية قوية تمتلك الوعي والقدرة على مواجهة الضغوط، وتوفير بيئة تمنح الشباب الأمل والفرصة والعمل والانتماء.
كما أن التعامل مع المدمن يجب أن يجمع بين الحزم في مواجهة تجارة المخدرات، والرحمة والمسؤولية في التعامل مع الشخص الذي يحتاج إلى العلاج والتأهيل وإعادة بناء حياته. فالهدف ليس فقط إيقاف التعاطي، بل إعادة الإنسان إلى نفسه وأسرته ومجتمعه.
إن المعركة ضد المخدرات هي في جوهرها معركة من أجل الإنسان؛ من أجل إرادته وعقله ومستقبله وكرامته.
فالمخدرات قد تبدأ بوعد زائف بالسعادة، لكنها تنتهي بسرقة الإرادة، وتدمير العلاقات، وتشويه الشخصية. ولهذا فإن الوقاية منها ليست حماية لجسد الإنسان فقط، بل دفاع عن شخصية الإنسان ومستقبله وعن أمن المجتمع بأكمله
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions