الأطباء بين تضاؤل الفرص واستمرار الأعباء: إلى أين تتجه برامج التعليم العالي في الجامعات الأردنية؟
نبأ الأردن -
لم تعد معاناة الطبيب الأردني قضة يمكن السكوت عنها، إذ باتت في السنوات الأخيرة أكثر تعقيدًا، فبعد سنوات طويلة من الدراسة الجامعية الشاقة، وساعات التدريب المرهقة، والامتحانات المتكررة، يجد الطبيب الخريج نفسه أمام واقع تتضاءل فيه فرص الالتحاق ببرامج الإقامة والتخصص، في وقت يتزايد فيه عدد خريجي كليات الطب عامًا بعد عام.
وكان من المفترض أن تتكيف الجامعات والمؤسسات الصحية مع هذا الواقع من خلال توسيع الطاقة الاستيعابية لبرامج الاختصاص، بما ينسجم مع الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين، إلا أن ما يحدث في بعض الحالات يسير في الاتجاه المعاكس.
على سبيل المثال، أعلنت الجامعة الهاشمية هذا العام عن قبول عشرة أطباء فقط في أحد برامجها، بعد أن كان عدد المقاعد في السابق خمسةً وعشرين مقعدًا، هذا التقليص يثير العديد من التساؤلات، خاصة في ظل ازدياد أعداد خريجي الطب سنويًا، والحاجة إلى توفير فرص تدريب حقيقية لهم، بدلًا من تضييقها أكثر.
ولا تقف التحديات عند عدد المقاعد، بل تمتد إلى طبيعة برامج التعليم العالي نفسها، فبعد قرار مجلس التعليم العالي بسحب درجة الماجستير من خريجي بعض برامج الاختصاص في الجامعات الأردنية، كان من المتوقع أن تعيد الجامعات النظر في الأنظمة المالية والأكاديمية المرتبطة بهذه البرامج، إلا أن العديد من الأطباء يتساءلون: لماذا ما تزال الرسوم السنوية تُفرض وتُقتطع من رواتب الأطباء المقيمين رغم عدم منحهم درجة الماجستير؟ وما المبرر لاستمرار اشتراط تقديم شهادات اللغة الإنجليزية مثل IELTS أو TOEFL، أو إلزام الأطباء بدفع رسوم دورات لغة، إذا كانت هذه البرامج لم تعد تمنح المؤهل الأكاديمي الذي كانت تشترط هذه المتطلبات من أجله؟
هذه الأسئلة ليست مجرد اعتراضات مالية، بل تمس جوهر العدالة والشفافية في العلاقة بين الطبيب "الخريج" والجامعة، فإذا تغيرت مخرجات البرنامج الأكاديمية، فمن الطبيعي أن يُعاد تقييم متطلباته ورسومه بما يتناسب مع هذا التغيير، وأن يُوضح للأطباء الأساس القانوني والأكاديمي لاستمرار هذه الالتزامات.
وفي الوقت ذاته، يعمل الأطباء المقيمون في ظروف مهنية شديدة الصعوبة، فهم يشكلون العمود الفقري للخدمة الطبية اليومية في المستشفيات، ويتحملون مسؤوليات تمتد لساعات طويلة ومناوبات مرهقة، مع ضغط نفسي وجسدي كبير ويبرز مستشفى الأمير حمزة مثالًا واضحًا على ذلك، إذ يُعد واحداً من أكثر مستشفيات العاصمة استقبالًا للمرضى وتحملًا لضغط العمل، ويعتمد بدرجة كبيرة على جهود الأطباء المقيمين في تقديم الرعاية الصحية.
ورغم هذا العبء، يبقى الراتب محدودًا، ويستمر اقتطاع جزء منه لصالح برنامج التعليم العالي، وهو ما يزيد من الأعباء المالية على الطبيب في مرحلة يُفترض أن تكون مخصصة للتدريب والتطور المهني، لا لمواجهة مزيد من الضغوط الاقتصادية.
إن القضية لا تتعلق برفض تطوير التعليم أو الاعتراض على جودة التدريب، بل بالمطالبة بسياسات أكثر إنصافًا ووضوحًا، فالأطباء الأردنيون لا يطلبون امتيازات استثنائية، وإنما يطالبون بفرص عادلة، ورسوم تتناسب مع طبيعة البرامج ومخرجاتها، ومعايير قبول تواكب الحاجة الفعلية للقطاع الصحي، بدلاً من تقليص المقاعد في وقت تزداد فيه أعداد الخريجين عامًا بعد عام.
إن الاستثمار الحقيقي في القطاع الصحي يبدأ بالاستثمار في الطبيب، وإذا استمرت فرص التخصص بالتراجع، واستمرت الأعباء المالية والإدارية بالازدياد، فإن النتيجة الطبيعية ستكون زيادة هجرة الكفاءات الطبية، وخسارة الأردن لأطباء أنفق سنوات طويلة في إعدادهم وتأهيلهم.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة من الجهات المعنية: هل أصبحت برامج التعليم العالي وسيلة لدعم وتأهيل الطبيب، أم أنها تحولت إلى حلقة إضافية من الأعباء التي يتحملها الطبيب في بداية مسيرته المهنية؟ والأهم، كيف يمكن تحقيق التوازن بين مصلحة الجامعات، واحتياجات وزارة الصحة، وحق الطبيب في تدريب عادل وفرصة حقيقية لبناء مستقبله المهني؟


























