العراق يستعيد هيبة الدولة.. ويطلق معركة حصر السلاح والفساد معاً
نبأ الأردن -
لم يعد الحديث في بغداد يدور حول ملف أمني أو اقتصادي منفصل، بل حول مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة، فالحكومة العراقية تخوض اليوم معركتين متزامنتين؛ الأولى تستهدف إنهاء ظاهرة السلاح خارج سلطة الدولة، والثانية تركز على تفكيك شبكات الفساد التي استنزفت مؤسسات البلاد لعقود، في محاولة يراها مراقبون الأكثر شمولاً منذ سنوات لاستعادة هيبة الدولة وترسيخ سيادة القانون.
ويأتي هذا التحرك في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، فرضت واقعاً جديداً على العراق، وأعادت فتح ملف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، بالتزامن مع تصاعد المطالب الشعبية بإصلاح المؤسسات ومحاسبة المتورطين في قضايا الفساد.
حصر السلاح.. اختبار الدولة الأصعب
يمثل ملف السلاح خارج سلطة الدولة أحد أكثر القضايا تعقيداً في العراق منذ عام 2003، إذ أدى تعدد الفصائل المسلحة إلى نشوء مراكز قوة متوازية مع المؤسسات الرسمية، وهو ما انعكس على القرارين الأمني والسياسي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات على تغير في المشهد، بعدما أعلنت بعض الفصائل إعادة تنظيم علاقتها بالدولة والاستعداد للعمل ضمن الأطر الرسمية، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على وجود حراك لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة وهذه التشكيلات، بما يعزز احتكار المؤسسات الرسمية لاستخدام القوة.
لكن هذا المسار لا يزال يواجه بعض التحديات، إذ تتمسك فصائل أخرى بمواقفها الرافضة للتخلي عن سلاحها، وتعتبره جزءاً من معادلة الردع، ما يجعل ملف السلاح مرشحاً للبقاء في صدارة المشهد العراقي خلال المرحلة المقبلة.
توافق سياسي غير مسبوق
وتشدد الحكومة العراقية على أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أحد أهم مرتكزات برنامجها، باعتباره مدخلاً لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، فيما برز دعم واضح من قوى سياسية مؤثرة، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي، الذي شدد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة، وأن أي نشاط مسلح خارج المؤسسات الرسمية يتعارض مع مبادئ الدولة الدستورية، ويرى متابعون للشأن العراقي أن أهمية هذا التوافق لا تكمن في مضمونه السياسي فحسب، بل في كونه يمنح الحكومة غطاءً أوسع للتحرك في ملف ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
واشنطن تراقب المشهد
ولم تمر التطورات العراقية بعيداً عن الاهتمام الأميركي، إذ رحبت واشنطن بالخطوات الهادفة إلى تعزيز سلطة الدولة، معتبرة أن إعادة تنظيم ملف السلاح تسهم في ترسيخ الاستقرار وبناء مؤسسات أكثر قدرة على فرض القانون، ويعكس هذا الموقف استمرار
اهتمام الولايات المتحدة بمستقبل المنظومة الأمنية العراقية، في ظل ارتباط استقرار العراق بأمن المنطقة والتوازنات الإقليمية.
"صولة الفجر".. الرسالة الثانية
وبالتوازي مع الملف الأمني، أطلقت الحكومة بدعم من القضاء العراقي برئاسة رئيس القضاء فائق زيدان عملية "صولة الفجر"، في واحدة من أوسع الحملات القضائية والأمنية لمكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة.
وأكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن العملية ليست سوى بداية لمسار طويل يستهدف استعادة الأموال العامة ومحاسبة المتورطين، مشدداً على أن الفساد لن يكون محمياً بالنفوذ السياسي أو الإداري، وأن مؤسسات الدولة لن تتحول مجدداً إلى غطاء لإهدار المال العام.
وشملت المرحلة الأولى تنفيذ أوامر قبض بحق مسؤولين وموظفين حكوميين وأعضاء حاليين وسابقين في مجلس النواب، بالتنسيق بين مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة والأجهزة الأمنية، فيما أعلنت السلطات القبض على 47 متهماً مع استمرار التحقيقات في ملفات أخرى، وحظيت الحملة بتأييد عدد من القوى السياسية، التي رأت فيها خطوة مهمة
لإعادة الثقة بمؤسسات الدولة وتعزيز مبدأ المساءلة.دور القضاء
وعمل القضاء العراقي على ملف مكافحة الفساد وتحديدا في قضية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي منذ عام 2025 وبعد استكمال التحقيقات التي قادتها محكمة مكافحة الفساد برئاسة القاضي ضياء جعفر، أصدر رئيس القضاء العراقي فائق زيدان تعليمات بالتوسع بعمليات التحقيق والتي قادت إلى صولة الفجر التي من خلالها تم القبض على عدد من النواب بعد رفع الحصانة عنهم وفي اجتماع الرئاسات الأربع الأخير تحدث رئيس القضاء خلف الأبواب المغلقة بأنه لا خطوط حمراء في مكافحة الفساد ويعتبر دور القضاء محوريا لأنه المعني بالتحقيق وإصدار أوامر القبض التي بناء عليها تنفذ من الجهة المختصة في تنفيذ أوامر القبض.
معركة واحدة بهدفين
ورغم أن ملف السلاح وملف الفساد يبدوان منفصلين، فإن الحكومة العراقية تتعامل معهما باعتبارهما وجهين لأزمة واحدة. فوجود السلاح خارج إطار الدولة يحد من قدرة المؤسسات على فرض القانون، فيما يؤدي الفساد إلى إضعاف تلك المؤسسات من الداخل، الأمر الذي يجعل نجاح أحد المسارين مرتبطاً بالآخر، لذلك، تبدو بغداد أمام اختبار غير مسبوق؛ فإما أن تنجح في تحويل هذه الإجراءات إلى إصلاحات دائمة تعيد للدولة احتكار القوة وتفرض سيادة القانون، وإما أن تبقى هذه الخطوات محصورة في إطار حملات مؤقتة لا تغير موازين القوى التي تشكلت خلال العقدين الماضيين.
وبين هذين الاحتمالين، يقف العراق أمام فرصة قد تكون الأهم منذ سنوات لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبين السلطة والقانون، في لحظة تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع الضغوط الداخلية والمتغيرات الإقليمية، لتحدد شكل الدولة العراقية في المرحلة المقبلة.


























