اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

يوسف الطورة يكتب : كيف حولت إيران التباعد السعودي الإماراتي إلى ورقة ضغط استراتيجية؟

يوسف الطورة يكتب : كيف حولت إيران التباعد السعودي الإماراتي إلى ورقة ضغط استراتيجية؟
نبأ الأردن -
لم تعد الحروب الحديثة تحسم بالصواريخ والطائرات المسيرة وحدها، بل باتت التصدعات السياسية بين الخصوم والحلفاء على حد سواء تشكل سلاحاً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية المباشرة.

وفي خضم المواجهة الدائرة مع إيران، برزت مؤشرات متزايدة على أن طهران لا تكتفي بالرد العسكري، بل تسعى إلى استثمار التباعد المتنامي بين السعودية والإمارات لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.

ففي الوقت الذي تعرضت فيه منشآت إماراتية حيوية لضربات متكررة، سارعت أبوظبي إلى اتهام إيران بالوقوف خلفها، غير أن أهمية هذه الهجمات لا تكمن فقط في آثارها الأمنية والاقتصادية، بل في الرسائل السياسية التي تحملها بشأن طبيعة التوازنات الجديدة داخل الخليج.

ورغم الصورة التي عكستها العلاقات السعودية الإماراتية خلال السنوات الماضية باعتبارها نموذجاً للتحالف الوثيق، فإن الواقع يشير إلى وجود تنافس متصاعد بين الطرفين منذ أكثر من عقد. 

فقد تنافس البلدان على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وقيادة الاقتصاد الإقليمي، كما ظهرت بينهما تباينات واضحة في إدارة الملفات الإقليمية من اليمن إلى السودان والقرن الأفريقي.

اقتصادياً رسخت الإمارات مكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية، فيما سعت السعودية عبر رؤية 2030 إلى بناء نموذج اقتصادي منافس وأكثر جذباً للشركات العالمية.

أما في قطاع الطاقة فقد كشفت السياسات النفطية عن اختلافات جوهرية بين البلدين، حيث تركز الرياض على استقرار الأسعار لدعم خططها التنموية، بينما تمنح أبوظبي أولوية أكبر للحصة السوقية ومرونة الإنتاج.

سياسياً ازدادت الفجوة مع اختلاف المقاربات تجاه عدد من القضايا الإقليمية، ففي اليمن دعمت الإمارات قوى محلية جنوبية، بينما تمسكت السعودية بوحدة الدولة اليمنية، كما برزت تباينات أخرى في السودان والقرن الأفريقي، وصولاً إلى الموقف من إسرائيل والعلاقة معها.

وفي هذا السياق تبدو إيران مدركة لهذه التحولات، فاختيارها أهدافاً إماراتية حساسة مع تجنب التصعيد المباشر مع السعودية يوحي بوجود حسابات تتجاوز البعد العسكري المباشر. 

كما أن العلاقات الإماراتية المتنامية مع إسرائيل، إلى جانب الخلاف المستمر بشأن الجزر الثلاث تجعل أبوظبي بالنسبة لطهران خصماً أكثر إلحاحاً مقارنة بالرياض.

ومن هنا يمكن فهم التركيز الإيراني على استهداف البنية التحتية الإماراتية، ولا سيما المنشآت المرتبطة بالتجارة والطاقة، فاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الانفتاح التجاري والاستقرار المالي يبقى أكثر حساسية تجاه التهديدات الأمنية المستمرة.

في المقابل تبدو السعودية أكثر ميلاً إلى إدارة التوتر مع إيران ضمن إطار يوازن بين الردع والانخراط الدبلوماسي، وقد انعكس ذلك في الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وبناء تفاهمات إقليمية تقلل احتمالات المواجهة المباشرة.

هذه التباينات تشير إلى أن مجلس التعاون الخليجي لم يعد يتحرك وفق رؤية استراتيجية موحدة تجاه إيران، فبينما تميل بعض العواصم إلى تعزيز الشراكات الأمنية مع إسرائيل والغرب، تفضل أخرى الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران والبحث عن صيغ للتعايش الإقليمي.

وفي حال خرجت إيران من الحرب الحالية محافظة على قدر من قدرتها ونفوذها، فقد يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل لتوازناته التقليدية، وربما عودة نموذج إقليمي يقوم على وجود أكثر من مركز قوة بدلاً من هيمنة طرف واحد.

في النهاية قد لا يكون الأثر الأهم للحرب الحالية في حجم الدمار أو عدد الضربات المتبادلة، بل في الطريقة التي تعيد بها رسم شبكة التحالفات الإقليمية. 
فالمعركة الحقيقية قد لا تدور في ميادين القتال فقط، بل في مستقبل النظام الإقليمي الخليجي وشكل التوازنات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions