حسن الزوايدة يكتب:وادي رم… حين تتحول الأرض من هوية إلى عقد استئجار
نبأ الأردن -
في الجنوب الأردني، حيث تتجلى الطبيعة بأبهى صورها في وادي رم، لا تقتصر الحكاية على جمال المكان أو سحره السياحي، بل تمتد لتروي قصة إنسانٍ ارتبط بهذه الأرض منذ مئات السنين، فصارت جزءًا من هويته، كما صار هو جزءًا من تاريخها.
غير أن هذا الارتباط العميق يواجه اليوم تحديات معقدة، تتجسد في فجوة واضحة بين الواقع التاريخي للسكان الأصليين، والإجراءات القانونية التي تُطبق عليهم. فأبناء وادي رم، الذين ورثوا الأرض عن أجدادهم، وصمدوا فيها رغم قسوة الظروف وشح الموارد، يجدون أنفسهم اليوم في موقع لا يعكس حقيقتهم، إذ يُعاملون وكأنهم مستأجرون لأرضهم، لا أصحاب حق فيها.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الأرض، التي كانت يومًا مهملة خارج حسابات التنمية، تحولت إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية، لكن دون أن ينعكس هذا التحول بشكل عادل على أهلها. فإقامة مشروع سياحي بسيط، كإنشاء مخيم، يتطلب الدخول في إجراءات معقدة، أبرزها إبرام عقود استئجار مع الجهات الرسمية (مفوضية العقبه)، دون منح السكان المحليين حقوق التملك أو التثبيت القانوني الذي ينسجم مع تاريخهم ووجودهم الفعلي على الأرض.
هذا الواقع لا يثير فقط تساؤلات قانونية، بل يفتح الباب أمام قضية أعمق تتعلق بالهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالأرض بالنسبة لأبناء وادي رم ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي رمز للكرامة والانتماء، وأي انتقاص من هذا الحق ينعكس سلبًا على شعورهم بالمواطنة الكاملة.
إن القوانين والأنظمة، مهما كانت أهدافها تنظيمية أو تنموية، يجب أن لا تتجاهل البعد الإنساني والتاريخي. فالمعايير الدولية تكفل حقوق السكان الأصليين في أراضيهم، وتؤكد على ضرورة إشراكهم في إدارة مواردهم والاستفادة منها بشكل عادل. ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة تقييم السياسات المتبعة، بما يضمن تحقيق التوازن بين الاستثمار والتنمية، وبين حقوق المجتمعات المحلية.
إن إنصاف أبناء وادي رم لا يمثل تحديًا للدولة، بل فرصة لتعزيز الثقة، وترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية في التنمية. فحين يشعر المواطن أن أرضه مصانة، وحقوقه معترف بها، يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر التزامًا بالحفاظ على مقدرات الوطن.
وفي النهاية، تبقى وادي رم أكثر من مجرد موقع سياحي؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة السياسات على تحقيق العدالة، ولإرادة الدولة في حماية حقوق أبنائها، وصون تاريخهم من أن يتحول إلى مجرد ذكرى.


























