أمجد الفاهوم يكتب : ثرثرة فوق النيل… حين يتحول الهروب من الواقع إلى هزيمة جماعية
نبأ الأردن -
في الأدب العربي روايات كثيرة تناولت أزمات الإنسان والمجتمع، لكن رواية ثرثرة فوق النيل للكاتب نجيب محفوظ بقيت واحدة من أكثر الأعمال قدرة على تجاوز زمانها ومكانها. فعلى الرغم من أنها كُتبت في ستينيات القرن الماضي، إلا أن قارئها اليوم يشعر وكأنها تصف كثيراً من مشكلات الحاضر، وتضع يدها على أسباب التراجع التي تصيب الأفراد والمؤسسات والأوطان عندما يختار الناس الهروب من الواقع بدلاً من مواجهته.
تدور أحداث الرواية حول مجموعة من الأشخاص يجتمعون يومياً على عوامة في النيل. ينتمون إلى طبقات اجتماعية ومهنية مختلفة، منهم الموظف والمثقف والفنان والصحفي، لكنهم يجتمعون على أمر واحد: الانفصال التدريجي عن الواقع. يقضون ساعاتهم في الثرثرة والتدخين وإطلاق الآراء الساخرة والنكات والتبريرات، بينما تستمر الحياة خارج العوامة بأزماتها وتحدياتها وتحولاتها. لم يكن النيل في الرواية مجرد مكان، ولم تكن العوامة مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت رمزاً لعالم مغلق يصنعه الإنسان حين يقرر أن يعيش بعيداً عن المسؤولية.
العبقرية الحقيقية في الرواية لا تكمن في أحداثها بقدر ما تكمن في الرسالة التي تحملها. فمعظم شخصيات الرواية ليست شريرة، ولم تكن تسعى إلى إيذاء أحد، لكنها وقعت في خطأ أكثر خطورة من الشر المباشر، وهو الاستسلام للامبالاة. فالإنسان عندما يتوقف عن الفعل، ويكتفي بالمشاهدة والتعليق والسخرية، يتحول تدريجياً إلى جزء من المشكلة حتى لو كان يعتقد أنه خارجها.
وعندما نقرأ الرواية اليوم نجد أنفسنا أمام صورة تتكرر بأشكال مختلفة. فالعوامة لم تعد عوامة على النيل فقط، بل قد تكون مجموعة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مجلساً يمتلئ بالنقد والتشكيك دون تقديم حل، أو مؤسسة يكثر فيها الكلام وتقل فيها الإنجازات، أو فريق عمل يقضي وقته في تبرير الإخفاقات بدلاً من معالجتها. كثيرون يناقشون المشكلات الاقتصادية والتعليمية والإدارية والسياسية لساعات طويلة، لكن القليل منهم يتحرك نحو التنفيذ. وهنا تظهر قيمة الرواية بوصفها تحذيراً مبكراً من ثقافة الاستهلاك الفكري التي تستنزف الوقت والطاقات دون أثر حقيقي.
ومن أهم الدروس التي تقدمها الرواية أن الأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً بقرارات خاطئة، بل قد تبدأ بتأجيل القرار الصحيح. فحين يغيب الشعور بالمسؤولية، وتصبح الراحة هدفاً بحد ذاتها، يبدأ التراجع بصمت. الأمم لا تتقدم بالأمنيات، والمؤسسات لا تنهض بالشعارات، والأفراد لا يحققون أحلامهم بمجرد الحديث عنها. الإنجاز يحتاج إلى قرار وفعل ومتابعة ومحاسبة.
كما تكشف الرواية خطورة انفصال النخب عن واقع الناس. فالشخصيات تمتلك قدراً من الثقافة والمعرفة، لكنها عاجزة عن تحويل هذه المعرفة إلى أثر. وهذه القضية ما زالت مطروحة بقوة في مجتمعاتنا. فالقيمة الحقيقية للعلم ليست فيما نكتبه أو نقوله، بل فيما نغيره ونطوره ونبنيه. المعرفة التي لا تتحول إلى عمل تبقى مجرد ترف فكري مهما بلغت درجة عمقها.
وعند إسقاط الرواية على واقعنا المعاصر، نجد أن أكثر ما نحتاج إليه هو الانتقال من مرحلة الثرثرة إلى مرحلة الإنجاز. فالشباب الذين ينتظرون الفرص قد يصنعون فرصهم بالتدريب والتعلم والعمل الريادي. والمؤسسات التي تشكو محدودية الموارد تستطيع أن تحقق نتائج أفضل عندما تحسن إدارة ما تملكه. والدول التي تواجه التحديات لا تتجاوزها عبر التشاؤم أو تبادل الاتهامات، بل من خلال التخطيط والعمل الجماعي والإصرار على التقدم.
لقد أراد نجيب محفوظ أن يقول إن أخطر أنواع الغرق ليس الغرق في الماء، بل الغرق في الوهم. وأن أخطر المخدرات ليست تلك التي تغيّب العقل فقط، بل كل فكرة تجعل الإنسان يتخلى عن دوره ومسؤوليته وقدرته على التغيير. لذلك انتهت الرواية بحادث مأساوي لم يكن سوى النتيجة الطبيعية لسلسلة طويلة من الهروب والتجاهل والانفصال عن الواقع.
بعد أكثر من نصف قرن على صدور "ثرثرة فوق النيل”، ما زالت رسالتها حية. فهي ليست رواية عن مجموعة أشخاص في عوامة، بل رواية عن كل مجتمع يقف عند مفترق طرق بين الفعل واللامبالاة، وبين البناء والاكتفاء بالكلام. والدرس الأهم الذي تتركه لنا أن المستقبل لا يصنعه الذين يراقبون الأحداث من بعيد، بل الذين ينزلون إلى الميدان، يتحملون المسؤولية، ويحولون الأفكار إلى إنجازات. فالأوطان لا تنهض بالثرثرة، وإنما تنهض عندما يتحول الوعي إلى عمل، والنقد إلى مبادرة، والحلم إلى مشروع قابل للتحقيق.


























